عن الأدب الذي يرتدي اللياقة بدلاً من أن ينزف
عبد المجيد عبوبي يكتب:
أفردُ أمامي هذه القوائم الناعمة المكتوبة في كتب النقد ورصّات المجلات: “أدب المناخ”، “السرد الهجين”، “الشعر المصغّر”، و”الأدب الدافئ”. أقرؤها وأشعر ببرودةٍ تسري في أطرافي. تساءلتُ بكامل حرقتي: متى أصبحت الفاجعة مادة للتصنيف؟ ومنذ متى صار الشعر يُقاس بمدى مواكبته لظاهرةٍ أو ملاءمته لشاشة هواتفكم الزجاجية؟
أنا عبد المجيد عبوبي، أكتب لأنني أعرف أن الأدب -في أصله الأول والوحيد- لا يحمل بطاقة تعريف، ولا يضع مساحيق تجميل ليناسب صالوناتكم الفكرية. الشعر لم يولد من المكاتب المكيّفة ولا من الخوارزميات؛ الشعر وُلِد من التراب، من صرخة أعمى يستدل على طريقه، من جرحٍ لا يندمل، ومن تمردٍ صريح على كل ما هو عادي وبارد.
أنتم تسمونه اليوم “أدب المناخ”، وأنا أراه صرخة الخوف الأزلية للإنسان حين يشعر أن الأرض تميد من تحت قدميه. تسمونه “شعرًا مصغّراً” لمجرد أنه يُقرأ في ثانية على منصة تفاعلية، وأنا أراه اختناقًا للإنسان الحديث الذي لم يعد يملك الوقت حتى ليستوعب وجعه، فصار يتقيأ خيبته في كلمتين قبل أن يواصل الركض!
إن هذا التهافت على اختراع التسميات البراقة ليس إلا محاولة ناعمة لـ “تدجين” الأدب، لجعله أليفاً، ومفهوماً، ومؤدباً. الأدب الحقيقي ليس ملاذاً دافئاً نختبئ فيه لننام بسعادة؛ الأدب صدمة، زلزالٌ يرجّ قناعاتك، مجازفة تتجاوز المألوف لتريك العالم من زاوية نزيفه. حين يبتعد الأدب عن طين الأرض، عن دم الشارع، وعن حشرجة الصدر في لحظات الانكسار، فإنه يتحول إلى مجرد استعراض لغوي بارد، أو موضة تموت مع انتهاء الموسم.
لا يهمني كيف ستصنفون النص في مؤتمراتكم القادمة، ولا تحت أي جنس هجين ستضعون قصيدتي. ما يهمني هو: هل اهتزت روحك حين قرأت؟ هل لمستَ غبار التراب بين الكلمات؟ هل شعرتَ بأن هذا النص يقتطع جزءاً من جرحك الشخصي؟
إذا لم يفعل الأدب ذلك، فلترموا كل تسمياتكم الحديثة في أقرب سلة مهملات.. واعتبروني غريباً يصرخ في الوادي بحثاً عن بيتٍ من شعرٍ لا يرتدي اللياقة، بل ينزف!
ملخص المقال
يتناول الكاتب عبد المجيد عبوبي موقفه الرافض للتسميات والمصطلحات النقدية الحديثة التي تُطلق على الأدب والشعر المعاصر، مؤكداً على النقاط التالية:
رفض التأطير النقدي: التسميات المعاصرة (كأدب المناخ والشعر المصغّر) هي محاولات نقدية لتسهيل استهلاك الأدب وتدجينه في قوالب باردة.
العودة للجذور: الأدب الحقيقي ينبع أصالةً من التراب، والوجع الإنساني، والمأساة، ولا يحتاج إلى مساحيق أو تصنيفات شكليّة.
وظيفة الأدب: الأدب ليس وسيلة تسلية أو ملاذاً ناعماً، بل هو صدمة وتمرّد يزلزل قناعات القارئ ويحاكي جراحه الحقيقية.
المعيار الأسمى: قيمة النص الأدبي تُقاس بمدى قدرته على هزّ الروح وملامسة المعاناة الإنسانية، وليس بمدى مواكبته للصرعات أو المنصات الرقمية








