أدب وثقافةصدى مصرمقالات

التاريخ من وراء الستار

التاريخ من وراء الستار

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

حين بدأت الخلافة تستعيد نفسها

من المسترشد إلى المقتفي، بغداد تفتح عينيها من جديد

تنويه قبل أن نبدأ…!

في هذه المرحلة من التاريخ من وراء الستار لن نسير في خط مستقيم.

فبينما كانت بغداد تحاول استعادة شيء من سلطانها، كانت الموصل تصعد كقوة جديدة، وكانت الشام تعيش صراعًا مفتوحًا مع الصليبيين، وكانت مصر تقترب من تحول سيغير تاريخ المنطقة، وفي الأندلس كانت الأحداث تسير في طريق آخر.

لذلك سنغادر بغداد أحيانًا، ثم نعود إليها.

سنذهب إلى مدينة بعيدة لنرى ما الذي كان يحدث في اللحظة نفسها، ثم نرجع إلى بغداد لنكتشف أن الأحداث التي بدت متفرقة لم تكن متفرقة على الإطلاق.

فالتاريخ لا يتحرك في شارع واحد،

إنه يتحرك في مدن كثيرة، وفي اللحظة نفسها.

بغداد عاصمة بلا سلطة .

لم تكن بغداد في هذه اللحظة هي بغداد هارون الرشيد.

كانت لا تزال عاصمة الخلافة العباسية، ولا يزال الخليفة يحمل لقب أمير المؤمنين، ويُذكر اسمه على المنابر، وتُضرب النقود باسمه.

لكن شيئًا واحدًا كان ينقص كل ذلك:

السلطة الحقيقية.

فعلى مدى عقود طويلة، اعتاد الخليفة أن يرى القوة تنتقل من يده إلى يد غيره.

مرة إلى القادة الأتراك.

ثم إلى البويهيين.

ثم إلى السلاجقة.

كان الخليفة يملك الشرعية، بينما يملك غيره الجيش.

وكانت هذه أخطر معادلة يمكن أن تعيشها دولة.

فمن يملك السيف يستطيع أن يفرض إرادته، حتى لو بقي صاحب السيف السياسي أقل شرعية من صاحب التاج.

وهكذا أصبحت بغداد عاصمة العالم الإسلامي من الناحية الرمزية، بينما كانت القوى العسكرية والسياسية الحقيقية موزعة خارجها.

لكن التاريخ كان يستعد لتغيير هذه المعادلة.

ولم يبدأ التغيير لأن العباسيين أصبحوا فجأة أقوى.

بل لأن القوة التي أحاطت بهم بدأت تتعب.

حين بدأ السلاجقة يتراجعون

في أوج قوتهم، كان السلاجقة قد صنعوا إمبراطورية واسعة، امتدت من خراسان إلى العراق، وأصبح سلطانهم من أكبر القوى السياسية في العالم الإسلامي.

لكن الدول الكبيرة لا تسقط دائمًا بضربة واحدة.

أحيانًا تبدأ بالسقوط من الداخل.

بعد وفاة السلاطين الأقوياء، تصاعد الصراع على السلطة، وتنافس الأمراء، وتعددت مراكز النفوذ، وأصبحت الأقاليم أكثر قدرة على التصرف بعيدًا عن المركز.

لم تختفِ الدولة السلجوقية في لحظة.

لكنها لم تعد القوة الواحدة التي تستطيع أن تمسك بالعالم من بغداد إلى خراسان كما كان الأمر من قبل.

وهنا ظهرت فرصة لم تكن بغداد تملكها من قبل.

الخصم الذي كان يفرض إرادته على الخليفة بدأ يفقد قدرته على فرضها.

وكان هناك رجل في بغداد قرر أن يجرب.

المسترشد بالله، الخليفة الذي خرج من الظل

تولى المسترشد بالله الخلافة سنة 512هـ.وكان يعرف شيئًا واضحًا:

أن الخلافة التي لا تملك قوة تحمي قرارها ستظل رهينة للقوى المحيطة بها، مهما عظمت مكانتها الدينية والسياسية.

لذلك لم يرضَ المسترشد بأن يكون مجرد خليفة يجلس في قصره، بينما يتولى الآخرون إدارة البلاد.

بدأ يحاول استعادة نفوذ الخلافة.

دخل في الصراع السياسي.

وسعى إلى بناء قوة عسكرية.

وحاول أن يجعل الخليفة طرفًا فاعلًا في الأحداث، لا مجرد شاهد عليها.

وكانت هذه خطوة جريئة.

لكنها كانت خطيرة أيضًا.

فالسلاجقة لم يكونوا قد انتهوا، والأمراء لم يكونوا مستعدين لرؤية الخليفة يستعيد نفوذه بسهولة.

وهكذا اصطدمت إرادة بغداد بالقوى التي اعتادت أن ترى الخليفة ضعيفًا.

وكان الثمن باهظًا.

في سنة 529هـ وقع المسترشد في الأسر، ثم قُتل.

ظاهريًا انتهت المحاولة.

لكن التاريخ لا يقيس دائمًا نتائج المشاريع بحياة أصحابها.

فالمسترشد مات.

أما الفكرة فلم تمت.

فكرة أن الخليفة العباسي يستطيع أن يستعيد قوته.

وهذه الفكرة ستنتقل إلى خليفة آخر.

لكن قبل أن نعود إليه،علينا أن نغادر بغداد.

لأن بغداد لم تكن وحدها التي تتحرك.

الموصل، رجل يراقب الفراغ

إلى الشمال من بغداد كانت الموصل تزداد أهمية.

لم تكن مدينة عادية.

كانت بوابة العراق إلى الشام، وموقعًا استراتيجيًا يستطيع من يسيطر عليه أن ينظر شرقًا نحو بغداد وغربًا نحو بلاد الشام.

وهناك ظهر رجل اسمه:

عماد الدين زنكي.

كان زنكي يبني قوته في الموصل، بينما كانت الشام تعيش واحدة من أخطر مراحلها.

الصليبيون لم يعودوا مجرد قوة وافدة.

لقد أقاموا إمارات ومراكز نفوذ، وأصبح وجودهم جزءًا من المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة.

وفي المقابل، كانت القوى الإسلامية متفرقة.

أمراء هنا،وسلاطين هناك،ومراكز قوة تتنافس فيما بينها.

وهنا ظهر السؤال الذي سيصبح مهمًا جدًا في السنوات التالية:

هل تستطيع بغداد أن تواجه هذه القوى؟

أم أنها ستحتاج إلى بعضها لمواجهة بعضها الآخر؟

كانت السياسة في ذلك العصر أكثر تعقيدًا من مجرد صديق وعدو.

فأحيانًا تحتاج إلى رجل تخشاه، لأنك تحتاج إلى قوته في مواجهة رجل تخشاه أكثر.

وهذه كانت واحدة من ألعاب السياسة التي ستحدد مستقبل المنطقة.

المقتفي لأمر الله البداية الحقيقية

بعد المسترشد جاء الراشد، ولم يدم حكمه طويلًا.

ثم تولى المقتفي لأمر الله الخلافة سنة 530هـ.

وهنا بدأت بغداد تلعب اللعبة بطريقة مختلفة.

كان المقتفي قد رأى ما حدث للمسترشد.

ورأى أن المواجهة المباشرة وحدها لا تكفي.

فالخلافة لا تستطيع أن تستعيد قوتها إذا دخلت في حرب مع الجميع في وقت واحد.

لذلك بدأ من بغداد.

بغداد أولًا.

عمل على تقوية نفوذ الخلافة داخل العراق، وبناء قوة عسكرية تعتمد عليها، وتثبيت سلطته في العاصمة والمناطق المحيطة بها.

لم يكن هدفه أن يعيد إمبراطورية العباسيين في يوم واحد.

كان يريد شيئًا أكثر واقعية:

أن يصبح الخليفة قادرًا على اتخاذ القرار دون انتظار إذن سلطان آخر.

وهذا في حد ذاته كان تحولًا كبيرًا.

فالخلافة التي اعتادت أن تحتمي بقوة الآخرين بدأت تبحث عن قوة تحميها هي.

لماذا نجح المقتفي؟

لأن المقتفي فهم درسًا لم يفهمه كثيرون قبله.

الدولة التي فقدت قوتها لا تستعيدها بالصراخ.

ولا تستعيدها بإعلان الحرب على الجميع.

بل تبني قوتها خطوة خطوة.

كان عليه أن يستفيد من انقسام خصومه.

السلاجقة يتنافسون.

الأمراء يختلفون.

القوى المحلية تكبر.

والمنطقة كلها تعيد تشكيل نفسها.

والمقتفي لم يحاول أن يسيطر على كل شيء.

بل حاول أن يضمن أولًا ألا يفقد ما أصبح قادرًا على السيطرة عليه.

وبمرور الوقت، بدأ نفوذ الخلافة في العراق يزداد.

وبدأت بغداد تتنفس.

لم تعد المدينة تنتظر دائمًا قرار قوة خارجها.

ولم يعد الخليفة مجرد اسم على المنبر.

لقد أصبح لديه شيء أخطر من اللقب:

القدرة على تنفيذ القرار.

لكن بغداد لم تكن وحدها

في الوقت الذي كان المقتفي يبني فيه قوته داخل العراق، كانت الشام تعيش صراعًا مختلفًا.

زنكي يزداد قوة.

والصليبيون يواجهون مقاومة إسلامية أكثر تنظيمًا.

وفي الجنوب كانت مصر الفاطمية تدخل مرحلة من الضعف والصراع الداخلي.

وفي الأندلس كان المسلمون يعيشون انقسامًا سياسيًا شديدًا، بينما كانت ممالك الشمال المسيحية تتوسع تدريجيًا.

كان العالم الإسلامي واحدًا في العقيدة والهوية الحضارية،لكنه لم يكن واحدًا سياسيًا.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

الخليفة في بغداد يريد استعادة الوحدة، بينما الواقع السياسي يقول إن العالم الإسلامي أصبح مجموعة من مراكز القوة.

ولهذا لم تكن مهمة العباسيين سهلة.

فاستعادة بغداد شيء،واستعادة العالم الإسلامي كله شيء آخر تمامًا.

حين التقت المصالح

هنا بدأ دور زنكي يصبح أكثر أهمية.

فبغداد كانت تحتاج إلى قوى تستطيع مواجهة الصليبيين.

وزنكي كان يحتاج إلى شرعية ومكانة سياسية تعزز نفوذه.

والصراع بين القوى لم يعد يسمح لأي طرف بأن يعيش منفردًا.

كان المقتفي يعرف أن زنكي ليس تابعًا للخلافة بالمعنى القديم.

وكان يعرف أيضًا أن مواجهته قد تكون أكثر خطورة من التعاون معه.

وهكذا بدأت بغداد تتعامل مع القوى الإقليمية بمنطق جديد:

ليس المطلوب أن تكون كل القوى تحت يد الخليفة،المطلوب ألا تصبح أي قوة قادرة على ابتلاع بغداد.

وكان هذا تحولًا مهمًا في التفكير السياسي العباسي.

فبعد أن فقدت الخلافة القدرة على حكم العالم كله، بدأت تتعلم كيف تدير عالمًا متعدد القوى.

وهذا في حد ذاته كان شكلًا جديدًا من أشكال القوة.

المقتفي يرحل، لكن بغداد لا تعود إلى الوراء

استمر المقتفي في طريقه حتى وفاته سنة 555هـ.

وحين رحل، لم تكن الخلافة العباسية قد استعادت إمبراطورية الرشيد.

لم تعد الجيوش العباسية تملأ الشرق والغرب.

ولم يعد الخليفة يحكم العالم الإسلامي كله.

لكن شيئًا مهمًا كان قد تغير.

الخليفة أصبح قادرًا على اتخاذ القرار.

وهذه كانت الخطوة الأولى في رحلة طويلة.

بعد قرون من اعتماد بغداد على قوة الآخرين، بدأت الخلافة تبني قوتها الخاصة من جديد.

ثم جاء بعده ابنه المستنجد بالله.

لكن الأحداث خارج بغداد كانت تتسارع.

ففي الشام كان مشروع زنكي يفتح الطريق أمام مشروع أكبر.

وفي مصر كانت الدولة الفاطمية تقترب من نهايتها.

وكان هناك رجل سيظهر في مصر، ثم يمتد نفوذه إلى الشام، وسيصبح لاحقًا أحد أهم رجال التاريخ الإسلامي.

اسمه،صلاح الدين.

لكن صلاح الدين لم يكن قد وصل بعد إلى ذروة قوته.

وكانت بغداد لا تزال تنتظر خليفة سيحاول أن يذهب بالمشروع العباسي إلى مدى أبعد.

خليفة اسمه،الناصر لدين الله.

وهنا تبدأ مرحلة أخرى.

من بغداد إلى صلاح الدين، خيوط تلتقي

قد يبدو أن بغداد وصلاح الدين وزنكي ومصر والأندلس قصص منفصلة.

لكنها لم تكن كذلك.

فضعف السلاجقة فتح الباب أمام صعود قوى جديدة.

وصعود زنكي مهّد لظهور مشروع سياسي وعسكري في الشام.

والتحولات في مصر أنهت الدولة الفاطمية وفتحت الطريق أمام صلاح الدين.

وصعود صلاح الدين أعاد تشكيل ميزان القوى في الشام ومصر.

وفي بغداد كانت الخلافة تستعيد قوتها تدريجيًا.

كل ذلك كان يحدث في الوقت نفسه.

وهنا نفهم لماذا لا يمكن قراءة هذه المرحلة من التاريخ كقصة خليفة واحد، أو سلطان واحد، أو مدينة واحدة.

فما كان يحدث في بغداد كان يؤثر في الموصل.

وما كان يحدث في الموصل كان يؤثر في الشام.

وما كان يحدث في الشام كان يفتح الطريق أمام مصر.

ثم كانت مصر ستصبح مفتاحًا في الصراع مع الصليبيين.

وبين كل هذه الخيوط، كانت الخلافة العباسية تستعيد مكانتها شيئًا فشيئًا.

لم تستعد الإمبراطورية القديمة…

لكنها بدأت تستعيد شيئًا ربما كان أكثر أهمية في تلك المرحلة:

هيبة القرار.

وهكذا، حين ننظر إلى بغداد في نهاية عهد المقتفي، لا نرى الخلافة التي عرفناها في عصر الرشيد.

لكننا لا نرى أيضًا الخليفة الضعيف الذي كان ينتظر قرار السلطان.

نرى كيانًا بدأ يستعيد نفسه.

وكانت هذه البداية ستقود، بعد سنوات، إلى خليفة سيحاول أن يجعل بغداد مرة أخرى مركزًا سياسيًا لا يستطيع الآخرون تجاهله.

لكن قبل أن يصل الناصر إلى العرش،

كان على العالم الإسلامي أن يمر من بوابة زنكي،ثم نور الدين،ثم مصر،ثم صلاح الدين.

وهناك، بعيدًا عن بغداد، كانت المعركة التي ستعيد رسم الخريطة تقترب.

فالتاريخ من وراء الستار لم يكن قد كشف كل أوراقه بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى