قرار يحتاج إلى مراجعة.. عندما تصبح الإجراءات عقبة أمام أصحاب الحقوق
بقلم/ ممدوح عكاشة
هناك قرارات إدارية تُصدر بهدف تنظيم العمل وضبط الإجراءات، وهذا أمر مطلوب ولا خلاف عليه، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنظيم من وسيلة لحماية الحقوق إلى حاجز يقف بين صاحب الحق وحقه.
والخطاب الصادر عن القسم القضائي بديوان عام محافظة القليوبية، والذي يتضمن التشديد على الإدارات التعليمية بعدم استخراج أي بيانات تخص دعوى قضائية، إلا بعد العرض على الإدارة القانونية، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل والمراجعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بموظف أفنى سنوات عمره في خدمة الدولة، ثم وصل إلى سن المعاش وهو ينتظر تسوية مستحقاته أو الدفاع عن حق يرى أنه سُلب منه.
نحن لا نعترض على حق الإدارة في تنظيم المستندات أو التأكد من سلامة الإجراءات، بل على النتائج التي قد تترتب على تطبيق التعليمات بصورة جامدة.
فماذا يفعل الموظف الذي بلغ سن المعاش ولديه دعوى أمام القضاء ويحتاج إلى مستند أو بيان موجود داخل جهة عمله؟
وماذا يفعل صاحب المعاش الذي لا يملك رفاهية الانتظار شهورًا بين المكاتبات والموافقات؟
وماذا يحدث إذا كان هذا المستند هو الدليل الذي يمكن أن يثبت حقه أمام المحكمة؟
القضية هنا ليست مجرد ورقة أو بيان إداري.
إنها حياة إنسان.
خلف كل ملف موظف سنوات من العمل، وسنوات من الخصومات والاستقطاعات، وسنوات من الالتزام بالوظيفة، ثم يأتي يوم المعاش ليبدأ مرحلة جديدة يفترض أن يحصل خلالها على حقوقه كاملة دون أن يجد نفسه أمام متاهة من الإجراءات.
والأخطر أن صاحب الحق عندما يلجأ إلى القضاء فإنه لا يطلب رفاهية أو مجاملة، وإنما يستخدم الطريق الذي كفله له القانون للحصول على حقه. ومن ثم فإن أي إجراء إداري يؤدي عمليًا إلى تأخير حصوله على المستندات اللازمة لدعواه قد يضعف قدرته على الدفاع عن حقه.
ولا يعني ذلك أن كل ما ورد في القرار مخالف للقانون؛ فمسألة مشروعية هذه التعليمات ومدى توافقها مع القواعد المنظمة للعمل القضائي والإداري تحتاج إلى فحص قانوني متخصص. لكن الأثر العملي للقرار يستحق التوقف أمامه ومراجعته، خصوصًا إذا كان التطبيق سيؤدي إلى تعطيل مستندات يحتاجها أصحاب الشأن في دعاواهم.
أصحاب المعاشات ليسوا أرقامًا في ملفات
من وصل إلى سن المعاش يستحق أن نضع أمام أعيننا أنه أدى دوره بالفعل، وأعطى من عمره سنوات طويلة للدولة.
لا يجوز أن يشعر بعد كل هذه السنوات أن باب المؤسسة التي خدم فيها أصبح مغلقًا أمامه، وأن الحصول على مستند يحتاج إليه للدفاع عن حقه أصبح رحلة طويلة من الموافقات والمكاتبات.
المعاش ليس منحة.. والحق الذي يطالب به الموظف ليس فضلًا من أحد.
ولهذا فإنني أناشد واضعي هذه التعليمات أن ينظروا إليها من زاوية أخرى:
زاوية الموظف البسيط الذي لا يملك معرفة بالتعقيدات الإدارية، ولا يملك الوقت أو المال لتحمل تأخير قد يؤثر على دعواه، ولا يستطيع أن يبدأ من جديد بعد أن وصل إلى نهاية عمره الوظيفي.
نريد حماية الإجراءات.. لا حماية الورق
إذا كان الهدف من القرار هو منع استخراج بيانات بطريقة عشوائية أو غير قانونية، فهذا هدف مفهوم ومحترم.
لكن الحل يجب ألا يكون بمنع أو تعطيل استخراج البيانات اللازمة لأصحاب الحقوق، وإنما بوضع ضوابط واضحة وسريعة تضمن في الوقت نفسه حماية بيانات الجهة، وعدم تعطيل حق المواطن في الحصول على ما يلزم لدفاعه أمام القضاء.
فالفرق كبير بين أن نقول:
“نحن ننظم الحصول على المستند.”
وأن يشعر المواطن بأن:
“المستند أصبح ممنوعًا حتى لو كان في حاجة إليه لإثبات حقه.”
وهنا يجب أن تكون الأولوية دائمًا للعدالة وحماية الحقوق.
رسالة إلى واضع القرار
يا من وضعت هذه التعليمات، تذكر أن القرار الإداري لا يُقاس فقط بما يحمله من عبارات قانونية، وإنما أيضًا بما يتركه من آثار على الناس.
قد تكون النية هي تنظيم العمل، لكن النتيجة غير المقصودة قد تكون تأخير حق إنسان، أو إضعاف موقف صاحب معاش أمام القضاء، أو ضياع فرصة لإثبات حق بسبب مستند لم يصل في الوقت المناسب.
وهنا تصبح المسؤولية أكبر؛ لأن خلف كل ورقة إنسانًا ينتظر العدالة.
لذلك فإن مراجعة القرار ليست تراجعًا، وإنما قد تكون تصحيحًا لمسار قبل أن يدفع ثمنه أصحاب الحقوق.
نحن نريد إدارة تحمي المال العام والوثائق، وفي الوقت نفسه تحمي حقوق العاملين وأصحاب المعاشات. نريد قانونًا يحكم الإجراءات، لا إجراءات تحجب الحق.
فالموظف الذي أمضى ثلاثين أو أربعين عامًا في خدمة الدولة لا يستحق في نهاية الطريق أن يواجه بابًا مغلقًا أمام حقه.
ومن هنا تأتي الرسالة الأهم:
راجعوا القرار قبل أن تتحول ورقة تنظيمية إلى سبب في ضياع حقوق أناس أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.
*ملحوظة: هذا المقال قراءة نقدية في الأثر المحتمل للتعليمات الواردة بالمستند المرفق، وليس حكمًا قانونيًا نهائيًا على مدى مشروعية القرار.*








