حين عادت القدس.
بقلم / محمد مصطفى كامل
هناك انتصارات تغيّر نتيجة معركة، وهناك انتصارات تغيّر وجه التاريخ. وحطين كانت من النوع الثاني.
لكن الغريب أن أعظم ما نتذكره من ذلك الانتصار لم يحدث فوق تلال حطين، ولم يكن في لحظة أسر ملك أو انهيار جيش.
كان ينتظر بعد ذلك. فبعد أن انكسر الجيش الذي ظل يحمي مملكة بيت المقدس لعقود، أصبح صلاح الدين أمام السؤال الذي من أجله تحرك كل شيء، هل يستطيع أن يعيد القدس؟
ثمانية وثمانون عامًا تقريبًا كانت قد مرت منذ سقطت المدينة في يد الصليبيين سنة 1099م.
ثمانية وثمانون عامًا تغيّرت فيها أجيال، وسقطت دول، وظهرت دول، وتبدلت موازين القوة، بينما بقيت القدس في قلب الصراع.
والآن، بعد حطين، أصبح الطريق إليها مفتوحًا. لكن الوصول إلى القدس شيء، والدخول إليها شيء آخر تمامًا.
فخلف أسوار المدينة لم يكن هناك جيش المملكة الذي خرج إلى حطين، ولا ملك يستطيع إنقاذها، ولا قوة عسكرية كبيرة يمكنها تغيير ميزان الحرب.
كان هناك رجال قرروا أن يدافعوا عنها، وكان بينهم رجل لم يكن يتخيل قبل أسابيع قليلة، أنه سيجد نفسه في قلب واحدة من أخطر لحظات تاريخ القدس.
أما خارج الأسوار، فكان صلاح الدين أمام اختبار أكبر من اختبار السيف. كان عليه أن يقرر،كيف يستعيد مدينة سقطت ذات يوم وسط واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخها؟
وهنا لا تبدأ قصة سقوط القدس. بل تبدأ قصة عودتها.
حين عادت القدس
صلاح الدين أمام أسوار المدينة. واللحظة التي انتظرها المسلمون ثمانية وثمانين عامًا
هناك معارك تنتهي عندما يصمت السيف. وهناك معارك عندما ينتهي القتال فيها، يبدأ تاريخ جديد. وحطين كانت من النوع الثاني.
في الرابع من يوليو سنة 1187م، لم يكن صلاح الدين يخوض معركة عسكرية عادية. كان أمامه الجيش الذي ظل لعقود يمثل القوة الرئيسية لمملكة بيت المقدس.
جيش خرج من صفورية بكامل ثقله تقريبًا، يحمل الصليب المقدس، ويضم الملك وكبار أمراء المملكة وفرسانها. ثم وصل إلى حطين ، ولم يخرج منها كما دخل. لم يسقط الجنود وحدهم. سقطت معهم القوة العسكرية التي كانت تحمي مملكة بيت المقدس.
وأصبح الملك غي دي لوزينيان أسيرًا.
وأصبح أرناط، أحد أكثر رجال المملكة إثارة للصراع، أسيرًا أيضًا.
وتفرقت القوة التي كانت تقف بين صلاح الدين وبين المدن الصليبية.
لكن صلاح الدين كان يعرف أن النصر الحقيقي لم يكن في أسر ملك أو هزيمة جيش.
النصر الحقيقي كان في أن الطريق إلى القدس أصبح مفتوحًا.
ومع ذلك لم تكن القدس قد سقطت.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
بعد حطين لم يتوقف صلاح الدين
بعد المعركة، لم يجلس صلاح الدين ليستمتع بانتصاره.
كان يعرف أن الجيوش قد تنتصر في معركة، ثم تضيع ثمار النصر إذا أُعطيت الخصم فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.
ولهذا تحرك بسرعة.
بدأت المدن والقلاع تسقط تباعًا.
عكا.
قيسارية.
حيفا.
نابلس.
صفورية.
وغيرها من المواقع التي كانت تشكل أجزاء من منظومة الدفاع الصليبية.
ولم تكن جميعها تسقط بالطريقة نفسها.
بعضها قاوم.
وبعضها فاوض.
وبعضها رأى أن الاستسلام أصبح أقل كلفة من مواجهة جيش صلاح الدين بعد انهيار القوة الرئيسية للمملكة.
وهكذا بدأت الخريطة تتغير.
حطين لم تكن مجرد انتصار عسكري.
كانت بداية انهيار سياسي وعسكري واسع.
لكن كلما اقترب صلاح الدين من القدس، أصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
فالقدس ليست عكا.
وليست نابلس.
وليست قلعة يمكن أن تسقط ثم تُنسى.
القدس كانت الهدف الذي من أجله اكتسبت الحرب كلها معناها الرمزي.
القدس، المدينة التي لم تكن كأي مدينة.
منذ أن دخل الصليبيون القدس سنة 1099م، أصبحت المدينة مركزًا للصراع الديني والسياسي في المنطقة.
ثمانية وثمانون عامًا تقريبًا مرت منذ ذلك اليوم.
أجيال كاملة ولدت وماتت والقدس خارج الحكم الإسلامي.
لكن المسلمين لم ينسوا المدينة.
وصلاح الدين تحديدًا لم يكن ينظر إليها كغنيمة حرب.
كان يعرف أن استعادتها ستكون حدثًا يتجاوز حدود دولته.
ولهذا لم يكن السؤال !!!
هل يستطيع الوصول إلى القدس؟
فهذا أصبح واضحًا بعد حطين.
السؤال الحقيقي كان !!!
ماذا سيفعل عندما يصل إليها؟
وهنا كان هناك أمر آخر لم يكن في صالحه.
فالمدينة لم تكن خالية.
لكن القدس لم تكن بلا رجال
بعد حطين، كان صلاح الدين يعرف أن الطريق إلى القدس أصبح أقصر بكثير.
لكن الطريق الأقصر لا يعني دائمًا الطريق الأسهل.
فبينما كانت المدن تتساقط واحدة بعد أخرى، كان داخل القدس رجال يعرفون أن المدينة أصبحت الهدف التالي.
وكان من بينهم باليان بن إبلين.
وهنا تبدو المفارقة.
فباليان لم يكن قد عاد إلى القدس وهو يخطط لقيادة دفاع تاريخي عنها.
كان قد وصل إليها في ظروف فرضتها أحداث الحرب، وكان يريد أن يمر بها ثم يتابع طريقه.
لكن سقوط الجيش الصليبي في حطين، وأسر الملك غي دي لوزينيان، وانهيار القوة العسكرية التي كانت تحمي المملكة، غيّر كل شيء.
فجأة،لم تعد القدس مدينة تنتظر جيشًا يأتي لإنقاذها.
لم يعد هناك جيش كبير قادم.
ولم تعد المملكة تملك القوة التي تستطيع بها حماية مدينتها المقدسة.
وهنا وجد باليان نفسه أمام واقع لم يختره.
إما أن يغادر المدينة ويتركها لمصيرها وإما أن يبقى ويساهم في تنظيم دفاعها بما تبقى من رجال وقوة.
فاختار البقاء.
وهكذا تحول الرجل، خلال أيام قليلة، من أحد كبار رجال المملكة إلى واحد من أهم المسؤولين عن الدفاع عن القدس في أخطر لحظة مرت بها.
لكن المهمة كانت شبه مستحيلة.
فالجيش الذي خرج إلى حطين لم يعد موجودًا.
والملك أسير.
والقوة الرئيسية للمملكة تحطمت.
والمدن تتساقط.
وصلاح الدين يقترب.
ومع ذلك كان على رجال القدس أن يقاتلوا.
من حطين إلى القدس
تحرك صلاح الدين نحو المدينة.
وكان جيشه يحمل خبرًا هائلًا ،
لقد هزم الجيش الرئيسي لمملكة بيت المقدس.
لكن الاقتراب من القدس كشف له أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة.
فالمدينة كانت محصنة.
وأسوارها قوية.
والمدافعون يعرفون أن سقوطها يعني نهاية مرحلة كاملة من تاريخ المملكة.
أما صلاح الدين، فكان يعرف شيئًا آخر.
اقتحام مدينة بهذا الحجم والقيمة ليس قرارًا عسكريًا فقط.
إنه قرار سياسي أيضًا.
فلو دخلها بالقوة، فقد يفتح ذلك بابًا لمجزرة واسعة.
ولو تركها، فقد يمنح خصومه فرصة لإعادة تنظيم أنفسهم.
وكان هناك أيضًا أمر أكثر أهمية.
صلاح الدين لم يكن يريد أن يعيد إنتاج صورة سقوط القدس الأولى سنة 1099م.
كان يريد أن تكون استعادة المدينة إعلانًا عن عودة السلطة الإسلامية إليها، لا مجرد انتقام تاريخي.
ولهذا بدأ يفكر في الخيارات المتاحة.
صلاح الدين أمام الأسوار
وصل صلاح الدين إلى القدس.
وهنا تغير المشهد.
قبل أسابيع قليلة فقط، كان الجيش الصليبي يخرج من صفورية وهو يظن أنه ذاهب لإنقاذ طبريا.
ثم كانت حطين.
ثم الأسر.
ثم سقوط المدن.
والآن جيش صلاح الدين يقف أمام أسوار القدس.
أما داخل المدينة، فكان باليان ورجاله يعرفون أنهم يواجهون قوة عسكرية ضخمة.
لم يكن بإمكانهم انتظار جيش يأتي من الخارج.
ولا كان بإمكانهم الاعتماد على المملكة التي تحطمت قوتها.
ولهذا بدأوا إعداد المدينة للدفاع.
وأصبح كل رجل قادر على حمل السلاح جزءًا من المعركة.
حتى إن الحاجة دفعت إلى الاستعانة برجال لم يكونوا في الأصل من المقاتلين المحترفين.
فالمدينة أصبحت في حالة طوارئ.
إما أن تصمد أو تفتح أبوابها.
لماذا لم يقتحم صلاح الدين القدس فورًا؟
هنا واحدة من النقاط التي يجب ألا تضيع وسط الروايات الشعبية.
صلاح الدين كان منتصرًا.
لكنه لم يكن أعمى عن تكلفة الحرب.
كان يستطيع أن يحاصر المدينة ويضغط عليها.
وكان يستطيع أن يهاجم الأسوار.
لكن اقتحام مدينة محصنة كان يمكن أن يؤدي إلى خسائر كبيرة في جيشه.
كما أن المدينة نفسها كانت تحمل قيمة دينية هائلة لدى المسلمين والمسيحيين معًا.
ولهذا أصبح التفاوض احتمالًا قائمًا.
لكن باليان لم يكن مستعدًا لتسليم المدينة بسهولة.
وكان يعرف أن موقفه العسكري ضعيف.
لذلك لجأ إلى ما يستطيع استخدامه،
المقاومة والتهديد بما قد يحدث إذا فُرض الاقتحام.
وكانت هذه لحظة سياسية شديدة الحساسية.
فصلاح الدين لم يكن أمام خصم عسكري قوي.
كان أمام مدينة محاصرة.
لكنها مدينة مستعدة للقتال.
عندما بدأت الأسوار تتكلم
بدأ القتال حول القدس.
وكان صلاح الدين يعرف أين يضغط.
وكان المدافعون يعرفون أن عليهم منع الجيش الإسلامي من إحداث اختراق في الأسوار.
ومع استمرار الحصار، بدأت قوة الدفاع تتآكل.
كل يوم يمر كان يعني مزيدًا من الضغط.
ومزيدًا من الخوف.
ومزيدًا من الأسئلة داخل المدينة ،
إلى متى نستطيع الصمود؟
ومن سيأتي لإنقاذنا؟
وهل بقيت للمملكة قوة تستطيع تغيير النتيجة؟
والإجابة كانت مؤلمة،لا أحد قادم.
باليان، الرجل الذي اضطر إلى التفاوض
في هذه اللحظة أصبح باليان أمام أصعب قرار في حياته.
إذا استمر في القتال حتى النهاية، فقد تسقط المدينة بالاقتحام.
وإذا طلب التفاوض، فقد يُتهم بالتسليم.
لكنه كان يعرف أن مسؤولية الدفاع عن المدينة تعني أيضًا التفكير في مصير أهلها.
وهنا بدأ التفاوض مع صلاح الدين.
لم يكن الأمر مجرد حديث بين قائدين.
كان تفاوضًا بين رجل يملك القوة العسكرية ورجل يملك مدينة على وشك السقوط.
صلاح الدين يريد القدس.
وباليان يريد إنقاذ من فيها.
وبين الاثنين كانت مدينة تنتظر القرار.
اللحظة التي تغير فيها كل شيء
مع استمرار الحصار والضغط، أصبح واضحًا أن سقوط المدينة مسألة وقت إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وهنا وصل الطرفان إلى تسوية.
فُتحت أبواب القدس.
ودخل صلاح الدين المدينة سنة 583هـ/1187م، بعد نحو ثمانية وثمانين عامًا من سقوطها في يد الصليبيين.
لكن الطريقة التي دخل بها المدينة كانت مختلفة بصورة لافتة عن الطريقة التي سقطت بها سنة 1099م.
لم يكن المشهد تكرارًا لسقوط القدس الأول.
لم تتحول المدينة إلى صورة طبق الأصل من المأساة التي عرفتها عند احتلالها.
بل جرى تنظيم خروج السكان وفق شروط وفدية وأوضاع اختلفت بحسب الفئات والظروف، مع بقاء عدد من السكان في المدينة.
وهنا ظهرت شخصية صلاح الدين السياسية بوضوح.
كان يستطيع أن ينتقم لكنه اختار أن يحكم.
عادت القدس لكن القصة لم تنته
في الثاني من أكتوبر سنة 1187م، دخل المسلمون القدس.
ورُفعت راية الإسلام على المدينة.
وعاد المسجد الأقصى إلى الحكم الإسلامي بعد نحو تسعة عقود من الاحتلال الصليبي.
لكن صلاح الدين لم يكن يملك رفاهية الاحتفال طويلًا.
فأخبار حطين وصلت إلى أوروبا.
وسقوط القدس سيحوّل الهزيمة الصليبية إلى قضية كبرى في الغرب.
وسرعان ما ستظهر أسماء جديدة.
ريتشارد قلب الأسد.
فيليب أغسطس.
وسينطلق ما عرف بالحملة الصليبية الثالثة.
أي أن استعادة القدس لم تكن نهاية الحرب.
بل كانت بداية فصل جديد منها.
المفارقة الكبرى
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به.
ماذا حدث بعد حطين؟
لم تسقط القدس في اليوم نفسه.
ولم يكن انتصار صلاح الدين مجرد ضربة عسكرية.
بل كان سلسلة متتابعة ،
حطين أسقطت الجيش.
وسقوط الجيش أسقط المدن.
وسقوط المدن فتح الطريق إلى القدس.
والحصار فتح باب التفاوض.
ثم عادت القدس إلى الحكم الإسلامي.
لكن التاريخ كان يخفي خلف هذا الانتصار سؤالًا أخطر !!!
ماذا يفعل المنتصر عندما يصل إلى القمة؟
لأن صلاح الدين بعد استعادة القدس لم يكن قد وصل إلى نهاية الطريق.
بل دخل مرحلة جديدة تمامًا.
مرحلة سيكون فيها مضطرًا إلى مواجهة العالم الأوروبي الذي بدأ يتحرك لاستعادة ما فقده.
وفي الطرف الآخر من العالم الإسلامي،
وهنا، قبل أن نغلق ستار هذا الفصل، علينا أن نتذكر شيئًا.
بينما كان صلاح الدين يحاصر القدس سنة 1187م كان في الغرب الإسلامي عالم آخر يتحرك.
في المغرب والأندلس كانت دولة الموحدين تعيش مرحلة قوة.
وكان أبو يوسف يعقوب المنصور يقترب من واحدة من أهم مراحل الصراع مع ممالك الشمال.
وبعد سنوات قليلة فقط من استعادة صلاح الدين للقدس، ستأتي معركة الأرك سنة 1195م، حيث سيحقق الموحدون انتصارًا كبيرًا على قشتالة.
أي أن حطين لم تكن قصة الشرق وحده.
والقدس لم تكن الحدث الوحيد الذي كان يهز العالم الإسلامي.
في الشرق كان صلاح الدين يستعيد القدس.
وفي الغرب كان الموحدون يستعدون لمعركة ستثبت أن الأندلس لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة.
ثماني سنوات فقط فصلت بين حطين والأرك.
وبين المعركتين،كان العالم الإسلامي كله يتحرك.
وهنا نرفع الستار قليلًا عن المشرق.
لأننا في المقال القادم سنترك أسوار القدس لحظة !!!!!
ونعبر البحر إلى الأندلس.
لنرى ماذا كان يفعل الموحدون بينما كان صلاح الدين يستعيد القدس، وكيف تحولت الأندلس من أرض تبدو محاصرة من الشمال إلى قوة ستفاجئ الجميع في الأرك.
لكننا سنعود بعد ذلك إلى المشرق.
فالحملة الصليبية الثالثة كانت قد بدأت تقترب،والقدس التي استعادها صلاح الدين لم تكن ستتركه ينعم بالنصر طويلًا.
في المقال القادم :
حين استيقظت الأندلس،
من سقوط القدس إلى انتصار الأرك، كيف كانت الأندلس تقاوم بينما كان الشرق يواجه الحملة الصليبية الثالثة؟
فبينما كان صلاح الدين يحمي القدس من الشرق، كان الموحدون يستعدون لحماية الأندلس من الغرب.







