كلاب الشوارع في مصر.. لماذا تكاثرت؟
ومن هو المستفيد الخفي من بقائها؟
كتب / ياسر وزيري
لو مشيت في شوارع 6 أكتوبر، الشيخ زايد، أو حتى في أي قرية، ستلاحظ الظاهرة بوضوح. مجموعات من الكلاب تتجول ليلاً، نباح لا ينقطع، حوادث عقر لأطفال، وفي المقابل حملات تعاطف كبيرة على مواقع التواصل تدافع عنها.
القضية لم تعد قضية “كلب ضال” فقط. نحن أمام منظومة مكتملة من الإهمال والفساد، ولها اقتصاد خفي لا يريد لها أن تنتهي.
أولاً: لماذا انفجرت أعداد كلاب الشوارع في السنوات الأخيرة؟
التكاثر ليس صدفة، بل هو نتيجة 4 عوامل تتغذى على بعضها:
1. منظومة القمامة المفتوحة:
الكلب البلدي حيوان شديد الذكاء والتكيف. ما دام هناك مقلب قمامة مفتوح في كل شارع، وبقايا مطاعم ومجازر تُلقى في الشارع، فقد وجد مطعماً مجانياً مفتوحاً 24 ساعة. الكلبة الواحدة تلد مرتين في العام، بمتوسط 5 إلى 8 جراء في كل مرة. لا تحتاج لحساب كثير لتعرف كيف يتحول كلبان إلى 50 كلباً في سنتين.
2. فشل استراتيجية القتل والسم:
منذ سنوات طويلة، توقفت مديريات الطب البيطري عن تطبيق البرنامج العالمي الذي توصي به منظمة الصحة العالمية WHO وهو برنامج TNR أي “الإمساك – التعقيم – التطعيم – الإرجاع”.
وتم استبداله بالحل الأسهل والأرخص ظاهرياً: القتل بالخرطوش أو السم بالاستركنين.
علمياً، القتل يخلق ما يسمى تأثير الفراغ Vacuum Effect. عندما تقتل 10 كلاب مسيطرة على منطقة، أنت تفرغ المنطقة. خلال 3 أشهر فقط، ستهاجر 20 كلباً جديداً من مناطق أخرى لتحتل نفس المكان لأن مصدر الطعام لا يزال موجوداً. الكلاب الجديدة تكون أصغر سناً، أكثر خوفاً، وأكثر عدوانية. لذلك نحن ندور في حلقة مفرغة منذ 30 سنة.
3. تسريب كلاب المنازل:
مع موجة اقتناء كلاب الزينة والحراسة التي انتشرت بعد 2015، اشترى الكثيرون كلاب هاسكي وجيرمن وبيتبول. وعندما كبر الكلب وزادت مصاريفه أو مرض أو أصبح عبئاً، تم تسريبه إلى الشارع. هذا الكلب غير معقم وغير مدرب على الشارع، ونزل ليتزاوج مع كلاب الشارع، لينتج سلالات هجينة أكبر حجماً وأكثر شراسة.
4. غياب قانون الترخيص:
لا يوجد قانون يلزم مالك الكلب بتركيب شريحة إلكترونية وترخيصه وتطعيمه، ولا توجد غرامة رادعة لمن يلقي بكلبه في الشارع.
ثانياً: البيزنس الخفي.. من يكسب من بقاء المشكلة؟
طالما أن المشكلة مستمرة، فهناك من يربح من استمرارها:
1. سبوبة شركات المكافحة:
بعض الأحياء والمحافظات تتعاقد مع مقاولين من الباطن لتنفيذ حملات تسميم. تكلفة كيلو سم الاستركنين رخيصة جداً، لكنه يُسجل في الفواتير والمقايسات بأرقام ضخمة. الحملة تتم كل بضعة أشهر، يتم تصوير بعض الكلاب النافقة، وتُصرف الميزانية. لو تم حل المشكلة جذرياً، هذه الميزانية السنوية ستتوقف. لذلك لا توجد مصلحة حقيقية في الحل الجذري.
2. تجارة الجمعيات الوهمية وجمع التبرعات:
هذا هو الأخطر. يتم إنشاء صفحات على فيسبوك وإنستجرام باسم “إنقاذ كلاب الشارع”. يتم تصوير كلب مصاب، وجمع تبرعات بالدولار واليورو من الخارج بدعوى علاجه. عملية جراحية تكلفتها 1000 جنيه، يتم جمع 2000 دولار لها، والفرق يختفي. لا توجد رقابة مالية حقيقية على هذه الكيانات.
وهناك وجه آخر أكثر قتامة، وهو تجميع الكلاب وبيعها كـ “بضاعة” للتصدير غير الشرعي إلى دول تستهلك لحوم الكلاب، أو بيعها لمعامل ومراكز أبحاث، لأن الكلب البلدي رخيص ومناعته قوية.
3. تجارة كلاب الحراسة الرخيصة:
تاجر يذهب بسيارة نصف نقل، يجمع 20 كلباً بلدياً من الشارع، يعطيهم تطعيماً صورياً، ثم يبيع الكلب الواحد بـ 500 إلى 1500 جنيه لأصحاب المزارع والمصانع والفيلات تحت الإنشاء على طريق الواحات والصحراوي كـ “كلب حراسة”. تجارة بصفر تكلفة.
4. الاستخدام في مطاعم ومزارع مخالفة:
تم ضبط عدة قضايا خلال السنوات الماضية لمطاعم ومزارع تخلط لحم الكلاب المفروم مع لحوم أخرى لتقليل التكلفة. هذا يخلق طلباً وسعراً للكلب الحي.
ما هو الحل الذي نجح في العالم؟
كل الدول التي حلت المشكلة، مثل تركيا والهند، لم تحلها بالقتل.
الحل هو 4 خطوات متكاملة:
1. العودة لبرنامج TNR: الإمساك بالكلب، تعقيمه حتى لا يتكاثر، تطعيمه ضد السعار، وضع علامة صفراء في أذنه، ثم إرجاعه لنفس منطقته. الكلب المعقم سيحرس منطقته ويمنع دخول كلاب جديدة، وستموت المجموعة تدريجياً دون تكاثر.
2. إغلاق منظومة الغذاء: لا يمكن التحكم في الكلاب دون التحكم في القمامة. صناديق قمامة مغلقة وجمع يومي منتظم يقلل التكاثر بنسبة 70% تلقائياً.
3. قانون ترخيص وشريحة إلكترونية: كل كلب منزل يجب أن يحمل شريحة. من يسرّب كلبه يُعرف من الشريحة ويُغرم غرامة كبيرة.
4. إنشاء مراكز إيواء منتجة: ليست جمعيات خيرية تعتمد على التبرعات، بل مراكز حكومية أو خاصة مراقبة، تقدم خدمات التطعيم والتعقيم بأسعار رمزية، وتعيد تأهيل بعض الكلاب للتبني.
كلاب الشوارع ليست العدو. هي مجرد مرآة تعكس فشلنا في إدارة القمامة، وغياب القانون، ووجود من يربح من بقاء الفوضى.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله ليس “كيف نقتل الكلاب؟” بل “من المستفيد من بقائها؟”








