كنتَ يومًا مكانه!
بقلم / مريم عماد رمزي
من أكثر ما يكشف حقيقة الإنسان، ليس ما يفعله حين يكون في بداية الطريق، بل كيف يتعامل مع الآخرين بعدما يصل.
فبعض الناس، ما إن يبلغوا ما سعوا إليه طويلًا، حتى ينسوا ارتباك البدايات، وصعوبة المحاولات الأولى، والشعور بأن الجميع يعرفون ما يجهلونه، وأن الطريق الذي يسيرون فيه أطول من قدرتهم على الاحتمال.
يصلون، ثم ينظرون إلى مَن لا يزالون في البداية بنظرة مختلفة؛ يستخفّون بأسئلتهم، ويضيقون بأخطائهم، وربما يتعمدون تعقيد الطريق أمامهم، وكأن الوصول يمنحهم الحق في نسيان أنهم كانوا يومًا مثلهم.
لكن، هل نسينا حقًا كم مرة احتجنا إلى مَن يشرح لنا دون أن يُشعرنا بالجهل؟ وكم مرة تمنّينا فرصة أخرى، أو كلمة تشجيع، أو شخصًا لا يحاكم محاولاتنا الأولى بمعايير الخبراء؟
المشكلة ليست في أن تتغير حين تنضج، بل أن تنسى نفسك القديمة إلى الحد الذي يجعلك تقسو على مَن يشبهها.
ليس مطلوبًا منك أن تختصر الطريق على الجميع، لكن ثمة فرقًا بين أن تعلّم شخصًا كيف يتجاوز عثرته، وأن تجعله يدفع ثمن جهله، وبين أن تكون حازمًا وأن تستخدم خبرتك لإشعاره بأنه أقل منك وإن تزيد عليه التيه !
فما تعلّمته بعد سنوات، لا يمكنك أن تطالب غيرك بإتقانه في أيام. وما تجاوزته بصعوبة، لا يحق لك أن تعتبر عجز الآخرين عن تجاوزه دليلًا على ضعفهم.
والأكثر إيلامًا أن يتحول ما عانيناه يومًا إلى قسوة نمارسها على الآخرين، بدلًا من أن يصبح سببًا في فهمنا لهم وأرشادهم . كأننا، لأننا اضطررنا إلى عبور الطريق بصعوبة، نريد للجميع أن يتألموا بالطريقة نفسها، حتى نشعر بأن معاناتنا كانت ضرورية.
لكن معاناتك لا تمنحك الحق في صناعة معاناة جديدة، ونجاحك لا يصبح أعظم حين تُصعّب الوصول على غيرك.
وربما لا تدرك أنك، حين تقسو على شخص يحاول أن يبدأ، قد تصبح أنت التجربة التي ستجعله يخاف المحاولة مرة أخرى. وربما ينسى يومًا ما قاله له الآخرون، لكنه لن ينسى كيف جعلته يشعر في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى مَن يؤمن بقدرته، لا إلى مَن يشككه فيها.
فلا تكن الشخص الذي يترك في الآخرين الجرح نفسه الذي ظلّ سنوات يحاول التعافي منه.
حين تصل، تذكّر أنك كنت يومًا مكانهم. تذكّر أنك لم تولد خبيرًا، وأن أحدًا ما كان بإمكانه أن يجعل رحلتك أقل قسوة، وأن كلمة واحدة ربما كانت ستختصر عليك الكثير.
فلا تكن الباب الذي تمنّيت يومًا أن يُفتح لك، ثم قررت إغلاقه في وجه الآخرين.
في النهاية، لا تُقاس قيمة الإنسان بالمكان الذي وصل إليه وحده، بل أيضًا بالطريقة التي يعامل بها مَن لا يزالون في الطريق.
حين تصل، لا تنكر الطريق الذي جئت منه؛ فأسوأ ما قد يحدث للإنسان أن ينجو من قسوة الآخرين، ثم يصبح هو القسوة التي يعاني منها غيره.








