قراءة نقدية وجدانية ونفسية وتأويلية لقصيدة «معزوفاتٌ خريفية»
للشاعر المصري عباس محمود عامر
بقلم الشاعر و الناقد الجزائري د.مرواني عاشور بن أحمد
معْزوفاتٌ خَريفيَّةْ . الشاعر. عباس محمود عامر
(١)
فِي الّلَيْلِ
يَأْكُلُنِي جَرَادُ الصَّمْتِ
أَفْقِدُ خُضْرَةَ الْقَلْبِ الَّذِي
.مَا عَادَ يَحْلُمُ بِالْمَطَرْ
(٢)
فِي الّلَيْلِ
أَلْقَى وَجْهِي الْمَقْهُورَ
فِي أَقْصَى مَحَطَّاتِ الرَّمَادَةِ
فِي الْمَدِينَةِ
لَا يَزَالُ يُشَارِكُ الطِّفْلَ الْيَتِيمَ
أُمُومَةَ الأَيَّامِ
وَالْوَطَنَ الأُبُوَّةَ
وَالرُّؤَى فِي لَيْلَةِ الْمِيلَادِ
وَالضَّرْعَ الَّذِي يَنْشَقُّ
.مِنْ عِرْقِ الْحَجَرْ
(٣)
فِي الّلَيْلِ
أَيْقَظَنِي رَنِينٌ لِلْعَقَارِبِ
فِي الْقِطَارِ
أُطِلُّ مِنْ شَبَّاكِ مِرْآتِي
تُفَاجِئُنِي مُؤَخِّرَةُ الْمَطَافْ
وَمَلَامِحِي
تُمْحَى بِأَبْخِرَةِ السَّفَرْ
*****
لا يكتب عباس محمود عامر عن الخريف بوصفه فصلًا من فصول الطبيعة، بل يستدعيه باعتباره حالةً داخلية يتآكل فيها القلب، ويبهت فيها الوجه، ويغدو الزمن قطارًا يمضي بصاحبه نحو نهاية لا يعرف ملامحها. نحن أمام ثلاث مقطوعات تتدرّج من موت الحلم، إلى اغتراب الإنسان في مدينته ووطنه، ثم إلى مواجهة الذات وهي تتلاشى في أبخرة السفر.
1\. «جراد الصمت»… حين يأكل الداخل نفسه
«يَأْكُلُنِي جَرَادُ الصَّمْتِ أَفْقِدُ خُضْرَةَ الْقَلْبِ الَّذِي مَا عَادَ يَحْلُمُ بِالْمَطَرْ»
يفتتح الشاعر نصه بصورة قاسية ومبتكرة؛ فالصمت ليس سكونًا، بل جرادٌ يلتهم ما تبقّى من خصوبة الروح. وتأتي «خضرة القلب» لتمنح المعنى عمقًا يتجاوز الحزن العابر: إننا أمام قلب يفقد قدرته على الإنبات، بعدما فقد إيمانه بالمطر، أي بالأمل والتجدّد.
والأكثر إيلامًا في الصورة أن القلب لا ينتظر المطر فحسب، بل لم يعد يحلم به. هنا تبلغ الخيبة أقصى درجاتها؛ حين لا يعود الإنسان عاجزًا عن تحقيق الأمل فقط، وإنما يفقد القدرة على تخيّله.
2\. «أمومة الأيام» و«أبوّة الوطن»… طفولة في عهدة القسوة
«لَا يَزَالُ يُشَارِكُ الطِّفْلَ الْيَتِيمَ أُمُومَةَ الأَيَّامِ وَالْوَطَنَ الأُبُوَّةَ»
ينتقل النص من الجرح الفردي إلى الجرح الإنساني والوطني. فالوجه المقهور لا يكتفي برؤية الطفل اليتيم، بل يشاركه يتمه، في علاقة تنقلب فيها الأدوار: الأيام تصبح أمًّا، والوطن يصبح أبًا، وكأن الشاعر يبحث عن بديل رمزي للعائلة التي عجز الواقع عن توفير دفئها.
لكن المفارقة الأشد مرارة أن هذه الأبوّة والأمومة لا تظهران في مشهد مطمئن، بل في «أقصى محطات الرمادة». فالرماد هنا ليس أثر احتراق الأشياء وحدها، وإنما ما يتبقّى حين تُستنزف القدرة على البدء من جديد.
وتبلغ الصورة ذروتها في قوله
«وَالضَّرْعَ الَّذِي يَنْشَقُّ مِنْ عِرْقِ الْحَجَرْ»
إنها صورة سريالية تستخرج الحياة من أقصى درجات الاستحالة؛ فالضرع، بما يحمله من دلالة الرعاية والغذاء، ينبثق من الحجر، رمز الصلابة والجدب. كأن الشاعر يطلب من المستحيل أن يطعم الجائعين، بعدما شحّت ينابيع الرحمة في الواقع.
ومع ذلك، فإن كثافة الرموز في هذه المقطوعة تجعل بعض العلاقات الدلالية بحاجة إلى فسحة تأمل أوسع، حتى لا تتزاحم الصور على حساب وضوح التجربة الإنسانية التي تحملها.
3\. «رنين العقارب»… حين يصبح السفر مرآةً للفناء
«أَيْقَظَنِي رَنِينٌ لِلْعَقَارِبِ فِي الْقِطَارِ»
هنا يتداخل الزمن بالمكان؛ فالعقارب تستدعي عقارب الساعة، لكن رنينها يحوّل مرور الوقت إلى صوت يوقظ الذات من غفلتها. والقطار، في هذا السياق، ليس وسيلة انتقال فحسب، بل استعارة لمسار الحياة الذي يمضي بنا، سواء أكنّا مستعدين للوصول أم لا.
ثم تأتي الصورة الأكثر إثارة للتأويل
«أُطِلُّ مِنْ شَبَّاكِ مِرْآتِي تُفَاجِئُنِي مُؤَخِّرَةُ الْمَطَافْ»
لا يطل الشاعر من نافذة القطار، بل من «شباك مرآتي»؛ وكأن الخارج لم يعد منفصلًا عن الداخل، وكأن الرحلة الحقيقية تجري في أعماق الذات. أما «مؤخرة المطاف»، فتفتح بابًا على لحظة اكتشاف متأخرة: أن الإنسان قد يقطع مسافات طويلة، ثم يفاجأ بأنه يقترب من النهاية دون أن يبلغ المعنى الذي خرج بحثًا عنه.
ويختم الشاعر
«وَمَلَامِحِي تُمْحَى بِأَبْخِرَةِ السَّفَرْ»
هنا لا يتلاشى المكان وحده، بل تتلاشى ملامح المسافر نفسه. إنها صورة للاغتراب حين يتجاوز فقدان الوطن أو الوجهة، ليصل إلى تهديد الهوية ذاتها؛ فالرحلة التي كان يُفترض أن تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، تصبح رحلةً تمحو علامات وجوده.
ملاحظات نقدية
قوة النص تكمن في وحدته المناخية، وفي قدرته على تحويل مفردات مألوفة، مثل الصمت والخريف والقطار والمرآة، إلى عناصر في مشهد نفسي قاتم. كما أن الانتقال من القلب إلى الطفل، ثم إلى الوجه المسافر، يمنح المعزوفات الثلاث مسارًا داخليًا متماسكًا.
لكن النص ليس بمنأى عن المراجعة: فبعض التراكيب الرمزية في المقطوعة الثانية شديدة الكثافة، وتحتاج إلى ضبط العلاقة بين صورها حتى تتضح ضرورة كل صورة داخل البناء. كما أن «مؤخرة المطاف» تركيب لافت، لكنه قد يربك القارئ بين دلالة المؤخرة بوصفها نهاية متأخرة ودلالة المطاف بوصفه محطة الوصول؛ وهي مفارقة يمكن أن تصبح أكثر تأثيرًا إذا أحكم الشاعر توجيهها.
خلاصة القراءة: «معزوفات خريفية» نصٌّ عن ثلاث خسارات متتابعة: خسارة الحلم، وخسارة الحماية، ثم خسارة الملامح. وأعمق ما فيه أن الخريف لا يسقط أوراق الشجر هنا، بل يسقط من الإنسان يقينه بأن الحياة ما زالت قادرة على إنبات شيء جديد.
فالشاعر لا يسأل: كم بقي من الطريق؟ بل يتركنا أمام سؤال أشد قسوة: حين نصل إلى آخر الطريق، هل سنجد أنفسنا كما كنّا، أم سنكتشف أن الرحلة قد محَت منّا ملامح من كنّا؟
******
د.مرواني عاشور بن أحمد
“الجزائر”








