
مَنفى التاريخ
محمد خير إدريس
بين لذّةِ العيشِ بكرامةٍ، وأنينِ الصمتِ الباكي، تظلُّ الثوابتُ تلوحُ للحرِّ من بعيدٍ، تُناديه: “هذا أنت!”
لقد أصبحَ ظلُّك واضحًا للناس، وأنتَ الذي كنتَ يومًا رمزًا مفقودًا، صرتَ اليوم حكايةً تُروى في زوايا الذاكرة.
جميلٌ أن يحيا الإنسانُ ذاكرةً طاهرةً، بعيدًا عن ضجيجِ الحربِ ودمارِها، وقريبًا من غيمةٍ تُلوِّنُ الأفقَ بفرحٍ عابرٍ.
لكنَّ القدرَ شاءَ لنا أن نعيشَ الكارثةَ دفعةً واحدةً، لنعرفَ: من سيكون النصرُ حليفًا في النهاية؟
قَلَّما تُهدى الكلماتُ وهي تُقطَفُ من بينِ أنينِ صدرٍ مكلومٍ،
لكنني أنا — من حاولَ أن يُحدِثَ تغييرًا طفيفًا في لغةِ الشعورِ — أهدي هذا النصَّ:
إلى الذين ما زالوا يرونَ بعينِ البصيرةِ لا بعينِ الجسدِ،
فإنَّ لغةَ العيونِ قد تخونُنا أحيانًا.
هل شعرتَ يومًا بأنك منفيٌّ عن الحياةِ؟
دعني ألتمسُ لك العذرَ السبعين، وأقولُ لك:
الشعورُ ليس مجردَ حكاياتٍ تُسردُ، بل هو تجربةٌ تولدُ من رحمِ المعاناةِ، من مخاضِ القتلِ والتعذيبِ،
دفاعًا عن أقدسِ ما تملك: روحك.
هناك حيثما تنقضُّ الصواريخُ، تجدُ من فقدك، وترى من شيَّعك،
وأنتَ ما زلتَ تظنُّ أنك عاجزٌ عن تحريكِ ساكنٍ،
لكنَّ الحقيقةَ التي قد لا يدركها الجميعُ هي أنك الجنازةُ والمشيِّعون معًا.
يا صديقي، لا يُقاسُ الخوفُ بما نُكِبنا به من أشياءَ، ولا بالأشلاءِ التي تملأُ الطرقاتِ،
بل يُقاسُ بقدرِ النعمةِ التي أنتَ فيها، تلك النعمةِ التي ربما أنتَ غارقٌ في نقمتها دون أن تشعر.
فلسطينُ التي ماتت في ذاكرتك، ما زالت حيةً عند الله:
بحُلمِ أبنائها الثائرين، وبحزنِ نسائها الثكالى الحالِمات.
دع عنك هراءَ الرجعيينَ الذين عبثوا بالأرضِ فسادًا، وعاثتْ بهم آفاتُ فقدانِ الإحساسِ.
إذا كنتَ ستدفعني إلى الخوضِ في وهمٍ مفادهُ أن هناك أنظمةَ سلامٍ في خضمِّ الحربِ،
أو دولًا تتقرّرُ مصيرَ شعبٍ منكوبٍ وتُؤمّنُ له الحمايةَ المطلقةَ،
دعني أقولُ لك: الحربُ ملكٌ لأصحابِ الفكرِ والمبدأ،
أما تلك المنظماتِ الرقميةِ التي تفرضُ نفسها في قلبِ الكيانِ المستوطنِ الفاشي،
فهي مجردُ صدى في آذانٍ صمّاء.
ماذا عن أمِّ الشهيدِ، التي لا يعرفُ أحدٌ أينَ ثراهُ الطاهر؟
وماذا عن الطفلِ الذي مزَّقته شظايا الحربِ، ليصبحَ جسدهُ مطارِقَ يُدقُّ بها على آذانِ الشعوبِ اللامبالية؟
ماذا عن كلِّ شجرةِ زيتونٍ كانت تكادُ تُضيءُ بزيتها فداءً للثورةِ،
لكنها اجتُثَّتْ، وزُرِعَ مكانها صرخةٌ فارغةٌ، تُستنكَرُ بها مطالبُ شعبِ النكبةِ؟
كتبنا عن فلسطينَ كثيرًا، ولكن الضميرَ الحيَّ الذي يقرأُ سطورَنا،
ما زال يئنُّ على عجزه أمام سيلِ المآسي.




