حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ (10)
مَنْ يَزْرَعِ الشَّكَّ… يَحْصُدِ النَّدَمَ
بقلم د. محمود طه
كان هناك شابٌّ يُدعى عبد الرحمن، نشأ وسط غيابٍ مؤلم من الأهل، ولم يكن له في الدنيا سوى أخته سعاد، التي كانت تصغره بعامٍ واحد.
انفصل والداه، فتزوج والده من امرأة أخرى، وتزوجت والدته كذلك، وانشغل كلٌّ منهما بحياته الجديدة، بينما بقي عبد الرحمن وأخته بين هذا وذاك، يبحثان عن حضنٍ يحتويهما، وعن قلبٍ يسمع شكواهما.
كبر عبد الرحمن وهو يشعر بأنه وحيد، فلم يجد الأب الذي يسنده، ولا الأم التي يلجأ إليها، فاضطر منذ صغره إلى الاعتماد على نفسه.
كان يعمل، وكل ما يحصل عليه من مال ينفق منه على نفسه وعلى أخته سعاد، وكان دائم التفكير:
— كيف أستطيع أن أُجهز نفسي للزواج، وأنا المسؤول عن أختي أيضًا؟ ومن سيقف بجانبي؟
وفي وسط هذه الحياة الصعبة، تعرّف عبد الرحمن إلى شابين: سمير وكريم.
أما سمير، فكان شابًا من أسرة بسيطة طيبة، تربّى منذ صغره على الرجولة وتحمل المسؤولية، وكان يعمل ويساعد أسرته بكل ما يستطيع.
وأما كريم، فكان من أسرة متوسطة الحال، لكنه كان شابًا طائشًا، يحب الخروج واللهو والتسلية مع الفتيات، وكان لا يرى في العلاقات إلا وسيلةً للمتعة وقضاء الوقت.
وفي أحد الأيام، طلب كريم من عبد الرحمن وسمير أن يخرجا معه، لكنهما رفضا، كما كانا يفعلان دائمًا، ونصحاه قائلين:
— يا كريم، لا تتسلَّ بقلوب البنات، فكما تدين تُدان، وما تفعله اليوم قد يعود إليك غدًا.
لكن كريم لم يكن يصغي إليهما، وظل يعيش حياته بالطريقة نفسها.
وبعد فترة، رأى عبد الرحمن فتاةً تُدعى نرمين.
ومنذ اللحظة الأولى التي رآها فيها، شعر بشيء مختلف. أعجب بها، ورأى فيها كل الصفات التي كان يتمناها في شريكة حياته.
فذهب إلى والده وقال له:
— يا أبي، أريد أن أتزوج نرمين، وأحتاج مساعدتك.
فقال والده ببرود:
— أساعدك إزاي؟ أنت كبير وبتشتغل، كوّن نفسك، وبعد ما تجهز نفسك اخطبها.
خرج عبد الرحمن من عند والده وقلبه مثقل، ثم ذهب إلى والدته وطلب منها المساعدة، لكنها قالت له الكلام نفسه، وأخبرته أنها لا تستطيع مساعدته.
عاد عبد الرحمن وهو يشعر أن والديه قد تركاه وحده في هذه الدنيا.
لم يكن يفكر في نفسه فقط، بل كان يحمل هم أخته سعاد أيضًا.
فقد تحمّل مسؤولية البيت، وأصبح ينفق على نفسه وعلى أخته، ويكافح من أجل أن يوفر لهما حياةً كريمة.
وبقي السؤال يطارد عقله:
— كيف سأجهز نفسي للزواج؟ ومن سيجهز سعاد؟ وهل سأستطيع أن أفعل كل ذلك وحدي؟
وذات يوم، وبينما كان عبد الرحمن ينزل مسرعًا لمقابلة صديقيه، اصطدم بفتاة كانت تحمل مجموعةً من الكتب.
سقطت الكتب من يدها.
نظر إليها عبد الرحمن، فإذا بها نرمين.
وتلاقت أعينهما للحظات.
غضبت نرمين، فقال عبد الرحمن سريعًا:
— أنا آسف جدًا، والله ما خدت بالي.
وانحنى وجمع الكتب من الأرض، ثم أعطاها لها وقال:
— مرة ثانية أنا آسف.
نظرت إليه نرمين وقالت:
— خلاص، ولا يهمك، شكرًا لك.
ومضت في طريقها.
لكن عبد الرحمن لم يستطع أن يذهب إلى أصدقائه.
كان يريد أن يعرف من تكون وأين تدرس، فتبعها حتى عرف أنها طالبة في الجامعة، ثم دخل الجامعة محاولًا أن يجد فرصةً للحديث معها.
وبعد قليل وجدها جالسةً في الكافتيريا.
جلس على الطاولة المجاورة لها، ثم قال:
— إيه ده؟ أنتِ في الجامعة هنا؟
نظرت إليه باستغراب وقالت:
— مين حضرتك؟
ابتسم عبد الرحمن وقال:
— أقول ولا تزعلي؟
قالت:
— لا، اتفضل.
قال:
— أنا اللي خبط في حضرتك الصبح ولميت لكِ الكتب.
قالت:
— آه، افتكرت.
وفي الحقيقة، كانت نرمين قد تذكرته، لكنها ادعت أنها لم تتذكره.
فقال لها:
— ممكن أجلس؟ عاوز أتكلم معاكِ كلمتين.
قالت:
— آسفة، ما ينفعش.
فقال:
— والله أنا مش بعاكسك، وأنا آسف لو أزعجتك.
ثم قام استعدادًا للمغادرة.
لكنها نادته:
— يا حضرة!
التفت إليها وقال:
— نعم؟
قالت:
— حضرتك كنت عاوز إيه؟
قال:
— مش عاوز أزعجك.
قالت:
— لا، اتفضل اجلس. أنا ظننت إنك بتعاكسني، لكن شكلك إنسان مهذب.
جلس عبد الرحمن، وبدأ الحديث بينهما.
قال لها:
— من أول لحظة شوفتك فيها وأنا مرتاح لكِ، كأني أعرفك من زمان. وبصراحة أنا مش طالب في الجامعة، لكني أتيت وراءك لأني كنت عاوز أشوفك وأتكلم معاكِ، وأنا مش جاي أعاكسك.
ابتسمت نرمين وقالت:
— يا…
فسألها:
— نعم؟
قالت:
— اسمك إيه؟
قال:
— اسمي عبد الرحمن.
قالت:
— أهلًا وسهلًا يا عبد الرحمن، وحضرتك إنسان محترم.
قال:
— ده من طيب أصلك.
ثم سألته نرمين:
— وإيه حكايتك؟
فحكى لها عبد الرحمن ظروف حياته، وحكى لها عن والديه، وعن أخته سعاد، وعن المسؤوليات التي يحملها منذ صغره.
وحكت له نرمين أيضًا عن حياتها.
ومع مرور الأيام، بدأت العلاقة بينهما تزداد قربًا.
طلب عبد الرحمن منها أن يقابلها في المكان نفسه، فرفضت في البداية، ثم وافقت بعد ذلك.
وتبادلا أرقام الهواتف، وأصبحا يتحدثان لساعات، حتى اعترف كل واحد منهما للآخر بمشاعره.
وعندما حكى عبد الرحمن لصديقيه عن نرمين، فرح سمير من أجله، وقال:
— ربنا يسعدك يا عبد الرحمن، وإن شاء الله تكون إنسانة محترمة وتكونوا خيرًا لبعض.
لكن كريم قال ساخرًا:
— يا ابني مفيش حاجة اسمها حب! كله تسالي.
فقال له عبد الرحمن:
— نرمين مختلفة.
ضحك كريم وقال:
— مسير الأيام تقنعك بكلامي.
ومرت الأيام.
وفي أحد الأيام رأى عبد الرحمن نرمين واقفةً مع شاب في الجامعة، وكان الشاب في الحقيقة زميلًا لها، وكانا يتحدثان ويضحكان.
غضب عبد الرحمن بشدة، وعاد واتصل بكريم، وحكى له ما رآه.
فقال كريم:
— صدقتني يا صاحبي؟ كله بيتسلى. الحب ده كان أيام جدودنا، دلوقتي مفيش الكلام ده.
ثم قال:
— وعاوز أقول لك حاجة: حاول تجرّها في الكلام، وجس نبضها، وبكرة أفكرك إنها بتتسلى.
جلس عبد الرحمن يفكر في كلام كريم.
وبدلًا من أن يثق بمن أحبها، قرر أن يختبرها.
وبدأ يتحدث معها عبر الهاتف بكلمات لا تليق بعلاقة محترمة.
قالت له نرمين:
— عبد الرحمن، مالك يا حبيبي؟ أنت شارب حاجة؟
قال:
— لا، عادي. مش أنتِ حبيبتي؟ يعني أنا ملكك وأنتِ ملكي، وإحنا بنحب بعض.
بدأت نرمين تتأثر بكلامه، فقال لها:
— أختي مش موجودة النهارده، عند خالتي، وعاوزك تيجي نقعد شوية في الشقة.
فقالت بسرعة:
— إزاي يا عبد الرحمن؟ لا طبعًا، ما ينفعش.
قال:
— مش بتثقي فيَّ؟
قالت:
— لا يا حبيبي، طبعًا بثق فيك، لكن الناس تقول إيه؟
فقال:
— عادي، أنتِ هتبقي زوجتي، ومش هنتأخر. وبعدين دي الشقة اللي أنا اشتريتها وهنعيش فيها بعد الزواج. عاوزك تشوفيها وتقولي لي رأيك.
وفي الوقت الذي كان فيه عبد الرحمن منشغلًا باختبار نرمين، كان كريم يخطط لشيء آخر.
فخلال الفترة الماضية، كان قد تقرّب من سعاد، وأوهمها بأنه يريد الزواج منها، وطلب منها ألا تخبر أخاها حتى يكون مستعدًا ويأتي ليطلبها رسميًا.
وفي اليوم نفسه، ذهبت سعاد لمقابلة كريم.
وفي الوقت ذاته، ذهبت نرمين لمقابلة عبد الرحمن.
دخلت نرمين إلى الشقة وجلست، لكنها سرعان ما شعرت أن عبد الرحمن يحاول الاقتراب منها بطريقة جعلتها تشعر بالخوف والقلق.
فدفعته وضربته على وجهه وقالت:
— أنا وثقت فيك!
وفي الوقت نفسه تقريبًا، حاول كريم التعدي على سعاد، لكنها قاومته وضربته وتمكنت من الهرب.
جلس عبد الرحمن حزينًا، فقد أدرك فجأةً أنه أخطأ في حق نرمين.
وبينما هو جالس، دخلت سعاد، وعيناها غارقتان بالدموع.
نظر إليها عبد الرحمن وقال:
— مالك يا سعاد؟ مش أنتِ كنتِ رايحة عند خالتنا؟ رجعتي ليه؟ وإيه اللي حصل؟
قالت سعاد:
— عاوزاك تسمعني من غير ما تزعل مني.
ثم روت له ما حدث مع كريم.
غضب عبد الرحمن بشدة من غدر صديقه، لكنه لم يلبث أن هدأ.
نظر إلى أخته، ثم أطرق رأسه، وتذكر نرمين.
وفجأة أدرك الحقيقة.
لقد كان يلوم كريم على التسلية بقلوب البنات، ثم سمح لنفسه أن يقع في الخطأ نفسه، ولو للحظات.
كان يريد أن يختبر نرمين، فإذا به يختبر نفسه.
وكان يشك فيها لأنها تحدثت مع زميل لها، ثم وضعها في موقفٍ لا يرضى به هو على أخته.
فقال لنفسه:
— لو كانت نرمين قد وافقت، هل كنت سأرضى أن تكون هذه زوجتي؟
وهنا شعر عبد الرحمن أن الله أراد أن يعلّمه درسًا لن ينساه.
وتذكر قول رسول الله ﷺ:
«إيَّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديث».
وتذكر أيضًا قول النبي ﷺ:
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
فأدرك أن الحب الحقيقي لا يُبنى على الشك، ولا على الاختبارات المحرمة، ولا على الخلوة، ولا على محاولة جرّ الطرف الآخر إلى الخطأ.
وأدرك أن الإنسان قد يرى عيوب الآخرين بوضوح، لكنه أحيانًا يعمى عن عيوب نفسه.
أما كريم، فقد خسر صداقة عبد الرحمن إلى الأبد؛ لأنه لم يكن صديقًا يحميه من الخطأ، بل كان يدفعه إليه.
وأما عبد الرحمن، فقد تعلم أن الصديق الحقيقي هو من يأخذ بيدك إلى الخير، لا من يزيّن لك الخطأ.
ثم نظر إلى أخته سعاد وقال:
— سامحيني يا سعاد… أنا كنت غاضبًا منك، لكني الآن فهمت الدرس. أنتِ لم تكوني وحدكِ المخطئة، وأنا أيضًا أخطأت عندما تركتكِ تحملين همومك وحدك.
ثم قال:
— وأنا ظلمت نرمين بشكي فيها، وكان يجب أن أثق بها أو أبتعد عنها باحترام، لا أن أختبرها بطريقة تغضب الله.
وقرر عبد الرحمن أن يبحث عن نرمين، لا ليبرر ما فعل، وإنما ليعتذر لها اعتذارًا صادقًا.
العِبْرَة
لا تضع من تحب في اختبارٍ قد يكون سببًا في فساد أخلاقه، ولا تجعل الشك يقودك إلى طريقٍ قد يلقي بك في الهاوية.
فالحب الذي يُبنى على الشك وعدم الثقة سرعان ما ينهار وينهدم، ولا تجعل صديقًا يزرع الشك في داخلك؛ فهو بذلك لا يهدم علاقتك بالآخرين فحسب، بل قد يهدم حياتك أنت ويدمرها.
فمن زرع الشك في داخله، لا يحصد سوى الندم.
والجزاء من جنس العمل؛ فكم من علاقاتٍ كثيرة هدمها الشك، وكم من بريءٍ ظُلِم بسبب كلمة، وكم من إنسانٍ ندم بسبب سوء الظن.
فإياك وسوء الظن، وصاحب صاحب الخُلُق الأمين، المؤتمن على السر، الناصح لك في غيابك قبل حضورك.
ولا تجعل حياتك كالكتاب المفتوح، يقلب في صفحاته من يشاء، ولا تمنح ثقتك لمن لا يصونها.
ولا تجعل الشك رداءك، فتغيب عن عينيك الحقيقة، ولا يبقى أمامك إلا الخداع وسوء الظن الذي يسري في القلب حتى يفسد صفاءه.
فقد يكون الشك أول خيطٍ في ثوب الندم، وقد تكون الثقة الواعية أول طريقٍ إلى الطمأنينة.
واعلم أن الصديق الحقيقي هو من يأخذ بيدك حين تضعف، ويقف بجانبك حين تضيق بك الدنيا، ويذكّرك بالله حين تغفل، لا من يدفعك إلى المعصية ويزيّنها لك.
واعلم أن أساس أي علاقة هو الثقة؛ فإذا فُقدت انهارت العلاقة، وخسرت من تحب.
فحافظ على الود، وصاحب من يخاف الله، ولا تضع من تحب في اختبار، بل كن له أمانًا وطمأنينةً وسندًا.
فازرع الثقة… حتى تحصد الحب والمودة في حياتك.







