آن الأوان لإلغاء نظام «البابل شيت» في امتحانات الثانوية العامة
بقلم: ممدوح عكاشة
منذ تطبيق نظام البابل شيت والاعتماد بصورة كبيرة على أسئلة الاختيار من متعدد في امتحانات الثانوية العامة، لم يتوقف الجدل حول مدى عدالة هذا النظام وقدرته الحقيقية على قياس مستوى الطلاب. وبعد سنوات من التطبيق، أصبح من الضروري إجراء مراجعة شاملة لتقييم التجربة، انطلاقًا من تحقيق العدالة التعليمية وليس التمسك بشكل معين للامتحان.
المشكلة الأساسية ليست في استخدام التكنولوجيا أو التصحيح الإلكتروني، وإنما في الاعتماد شبه الكامل على نمط واحد من الأسئلة، وهو ما يجعل الامتحان في كثير من الأحيان يقيس قدرة الطالب على اختيار الإجابة أكثر من قياس قدرته على التحليل والاستنتاج والشرح والتعبير.
كما أن هذا النظام لا يُظهر خطوات التفكير التي قام بها الطالب للوصول إلى الإجابة، ولا يمنح أي درجات جزئية لمن بذل جهدًا ووصل إلى جزء كبير من الحل، بينما قد يحصل طالب آخر على الدرجة نفسها بمجرد اختيار الإجابة الصحيحة، سواء عن معرفة أو عن تخمين أو بوسائل غير مشروعة.
وتزداد المشكلة خطورة عندما تحدث حالات غش جماعي أو تسريب للإجابات، إذ يصبح من الصعب التمييز بين الطالب المجتهد الذي اعتمد على علمه، وبين من حصل على الإجابات بطرق غير قانونية، لأن ورقة الإجابة لا تعكس طريقة التفكير أو خطوات الحل، وإنما مجرد تظليل لدوائر.
إن الامتحان العادل هو الذي يقيس الفهم الحقيقي، ويمنح الطالب فرصة للتعبير عن قدراته، ويكافئ الاجتهاد، ويكشف الفروق الفردية بين مستويات الطلاب، وليس مجرد اختبار يعتمد على اختيار بديل من أربعة بدائل.
ولا يعني ذلك رفض التصحيح الإلكتروني أو التطور التكنولوجي، بل المطلوب هو بناء نظام تقييم متوازن يجمع بين الأسئلة الموضوعية والأسئلة المقالية القصيرة، بحيث يتم قياس الفهم والتحليل والاستنتاج والقدرة على التعبير، مع الحفاظ على سرعة ودقة التصحيح.
إن تطوير التعليم لا يتحقق بتغيير شكل ورقة الإجابة فقط، وإنما بتطوير أساليب التقويم بما يضمن العدالة وتكافؤ الفرص، ويعيد الثقة إلى الطلاب وأولياء الأمور في أن التفوق سيكون ثمرة الاجتهاد الحقيقي.
لقد أصبح من حق المجتمع أن يطالب بإعادة النظر في نظام الامتحانات، والاستفادة من الخبرات السابقة، والاستماع إلى آراء المتخصصين والمعلمين والطلاب، للوصول إلى منظومة تقييم أكثر عدالة وكفاءة، لأن مستقبل أبنائنا يستحق نظامًا يقيس العلم الحقيقي، ويكافئ المجتهد، ويحاصر الغش، ويحقق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع.







