مقالاتمنوعات

إثيوبيا في مهب الريح: طبول الحرب الداخلية تدق..

وتعنت مائي يهدد الاستقرار الإقليمي  

إثيوبيا في مهب الريح: طبول الحرب الداخلية تدق..

وتعنت مائي يهدد الاستقرار الإقليمي
 

بقلم/ ياسر وزيري

​لم تكن اتفاقيات السلام التي تُبرم تحت ضغط الميدان سوى حبرٍ على ورق، وها هي أديس أبابا تثبت من جديد أن عقلية الاستقواء وإقصاء الآخر هي الحاكمة في المشهد الإثيوبي الداخلي. فما تشهده البلاد في هذه المرحلة من تصعيد عسكري متسارع ينذر بانهيار تام، يعيد إحياء كوابيس الحرب المدمرة التي عانت منها شعوب إثيوبيا طويلاً، لتنفتح الأبواب على مصراعيها أمام فوضى عارمة لا توفر أحداً. وفي الوقت الذي تتخبط فيه أديس أبابا في أزماتها الداخلية المستحكمة، تواصل سياسة التعنت المتهور على الصعيد الخارجي، وتحديداً في ملف مياه نهر النيل.

​جبهات تشتعل وحسابات سياسية خاطئة

​إن العودة السريعة للمواجهات المسلحة بين الجيش الفيدرالي وقوات إقليم تيغراي، واتساع رقعة الاشتباكات لتشمل مناطق واسعة في أمهرة وعفر وانضمام حركات مسلحة وقومية جديدة لساحة الصراع، تؤكد بوضوح أن الحكومة المركزية فشلت في بناء تسوية سياسية حقيقية ومستدامة. فالصراع اليوم لم يعد مجرد نزاع محلي على نفوذ سلطوي، بل تحول إلى كرة توجّه نحو تفكيك النسيج الوطني الإثيوبي بأكمله. الاعتقاد بأن الحلول الأمنية والعسكرية والضربات الجوية قادرة على حسم صراع معقد بطبيعته هو وهم سياسي يدفع ثمنه الشعب الإثيوبي وحده تشريداً ودماراً.

​تعنت مائي وسجِلٌّ من تجاهل حقوق الجوار

​هذا التخبط الداخلي والتعنت السياسي لا يتوقفان عند حدود الداخل الإثيوبي، بل يمتدان بأسلوب فجاجة سياسية نحو دول مصب نهر النيل. فبدلاً من أن تدرك القيادة الإثيوبية أن التعاون الإقليمي هو طوق النجاة الوحيد، تصر على سياسة فرض الأمر الواقع، والمماطلة المتعمدة، والرفض المستمر للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.

​إن مياه نهر النيل ليست مورداً قابلاً للمساومة أو الاستحواذ العبثي، بل هي حق مكتسب وحق أصيل وثابت للشعبين المصري والسوداني، توارثته الأجيال وحمته المواثيق الدولية وقواعد القانون الدولي للأنهار الدولية. وإن إصرار أديس أبابا على إدارة ظهرها للحقائق التاريخية والتوازنات العادلة يمثل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي بأسره.

​انعكاسات مقلقة على استقرار القرن الإفريقي

​إن دولة بحجم إثيوبيا وبتركيبتها السكانية والجيوسياسية الحساسة لا يمكن أن تنعزل عن محيطها؛ فأي انفجار داخلي واسع النطاق فيها يعني بالضرورة تدفق موجات بشرية هائلة وملايين النازحين نحو دول الجوار. ومع تداخل الأزمات الداخلية مع سياسات التعنت المائي، تتكشف بجلاء قصر نظر القيادة الإثيوبية في إدارة علاقاتها الإقليمية. إن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات الاستفزاز المائي أو محاولة استخدام الأنهار الدولية كورقة ضغط سياسية فاشلة.

​إلى أين تتجه بوصلة أديس أبابا؟

​إن الدرس التاريخي الأبرز الذي تتجاهله القيادة الإثيوبية باستمرار هو أن الحروب والصراعات لا تنتصر فيها طرف، بل ينتصر فيها الخراب وحده، وأن سياسة الهروب للأمام محكومة بالفشل.

​الفرصة الأخيرة أمام أديس أبابا تكمن في إدراك أن لغة الحوار الشامل داخلياً، والإبداء العاجل لمرونة شديدة ومسؤولة تجاه الحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل، هي السبيل الوحيد لوقف نزيف الأزمات. ما عدا ذلك، فإن شبح التفكك الداخلي والعزلة الإقليمية سيكون هو العنوان الأبرز لمستقبل دولة الهضبة الإفريقية.

زر الذهاب إلى الأعلى