حين يختلف المواطن مع الدولة…
هل نختلف مع القرار أم مع الصورة التي في داخلنا
بقلم: ا/ هبة شاهين -الإسكندرية
لماذا قد يكون المواطن في الأيام العادية متعاونًا مع مؤسسات دولته،
ثم يتحول عند أول خلاف إلى شخص شديد الغضب والرفض؟
ولماذا قد تتعامل المؤسسة مع المواطن في موقف ما باعتباره شريكًا،
ثم تتعامل معه في موقف آخر وكأنه مجرد رقم في ملف؟
“كل مواطن يريد أن يشعر أن دولته تراه وتحمي مصالحه…
وكل دولة تحتاج أن يشعر مواطنوها أن قراراتها لا تُدار ضدهم.”
لكن عند أول خلاف…
قد يظهر شيء أكثر تعقيدًا من مجرد اختلاف في الرأي.
تظهر الصورة التي يحملها كل طرف عن الآخر.
فالخلاف هنا لا يكون دائمًا بين مواطن وقرار.
أحيانًا…
يصبح الخلاف بين مواطن يشعر أنه غير مسموع
ومؤسسة تشعر أنها موضع تشكيك دائم.
وهنا تبدأ الحلقة.
المواطن يقول:
“أنا لا أُسمَع.”
فتتحول المطالبة إلى غضب.
والغضب قد يتحول إلى رفض لكل شيء.
ثم يأتي رد الفعل من المؤسسة:
“مهما فعلنا… لن يرضى.”
فتصبح الاستجابة أقل مرونة.
فيشعر المواطن أن ما كان يظنه صحيحًا قد تأكد:
“قلت لكم… هم لا يسمعون.”
وهكذا…
كل طرف يبدأ في تقديم الدليل للطرف الآخر على صحة الصورة التي يحملها عنه.
المشكلة أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع وحده… بل مع تفسيره للواقع.
قد يصدر قرار له أسباب اقتصادية أو تنظيمية أو اجتماعية معقدة.
لكن المواطن قد يراه من زاوية واحدة:
“القرار ضدي.”
وقد ترى المؤسسة اعتراض المواطن من زاوية أخرى:
“هو يرفض أي تغيير.”
وهنا لا يعود النقاش حول القرار نفسه.
بل يتحول إلى:
أنا ضدك… وأنت ضدي.
مع أن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا.
فليس كل اعتراض عداءً للدولة.
وليس كل قرار غير محبوب دليلًا على أن الدولة تريد الإضرار بالمواطن.
وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم العلاقة بين الطرفين..
هناك جرح آخر اسمه: فقدان الإحساس بالتأثير.
عندما يشعر الإنسان أن صوته لا يصل،
أو أن شكواه لا تغير شيئًا،
قد يتوقف عن استخدام الحوار الهادئ.
ليس بالضرورة لأنه يريد الصدام…
ولكن لأنه يشعر أن الصدام هو اللغة الوحيدة التي يمكن أن تُسمَع.
وفي المقابل، عندما تشعر المؤسسة أن كل قرار سيقابل بالرفض، قد تصبح أكثر دفاعية عن قراراتها.
فتدافع عن القرار…
ثم تدافع عن طريقة اتخاذه…
ثم تجد نفسها تدافع عن صورتها هي..
وهنا يصبح التراجع عن قرار أو تعديله وكأنه اعتراف بالخطأ أو الضعف، بدل أن يكون جزءًا طبيعيًا من عملية تحسين السياسات.
بينما تشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الثقة ترتبط، من بين أمور أخرى، بإحساس الناس بأن المؤسسات تستجيب لملاحظاتهم، وتستخدم الأدلة في اتخاذ القرار، وتشرح آثار الإصلاحات، وتتعامل بعدالة وانفتاح.
والأخطر… أن الطرفين قد يدخلان في “وضع الحماية”.
المواطن يحمي نفسه من شعوره بالعجز:
فيصبح أكثر غضبًا،
أكثر شكًا،
وأسرع في تفسير القرار باعتباره موجهًا ضده.
والمؤسسة تحمي نفسها من ضغط الاعتراض:
فتصبح أكثر دفاعًا،
وأقل استعدادًا لسماع النقد،
وقد تخلط أحيانًا بين النقد الموجه للقرار والرفض الموجه للدولة.
وهنا تتكون دائرة مغلقة:
المواطن يغضب لأنه لا يشعر أنه مسموع.
والمؤسسة تتشدد لأنها تشعر أنها مستهدفة.
فيزداد غضب المواطن.
فيزداد تشدد المؤسسة.
ولا أحد ينتبه أن المشكلة لم تعد في القرار الأول…
بل في تراكم المشاعر والتفسيرات التي جاءت بعده.
لكن هناك فرقًا مهمًا جدًا بين “الدولة” و”القرار”.
قد أحب بلدي…
وأعترض على قرار.
قد أحترم مؤسسات الدولة…
وأطالب بتغيير إجراء.
قد أؤمن بالمصلحة العامة…
وأقول إن هذه السياسة تحتاج إلى مراجعة..
كما أن نقد المواطن لا يعني بالضرورة أنه يمتلك كل المعلومات.
وكذلك القرار الرسمي لا يصبح صحيحًا لمجرد أنه رسمي.
المساحة الصحية بين المواطن والدولة ليست مساحة موافقة دائمة…
وليست مساحة صدام دائم.
إنها مساحة يستطيع فيها المواطن أن يقول:
“أنا مختلف… لكنني أريد أن أفهم.”
وتستطيع فيها المؤسسة أن تقول:
“نحن مختلفون… لكننا سنسمع.”
وهنا يبدأ النضج الحقيقي في العلاقة..
المواطن الناضج لا يسأل فقط:
“هل القرار يعجبني؟”
بل يسأل:
¤هل أفهم أسبابه؟
ما الأدلة التي بُني عليها؟
¤من سيتأثر به؟
¤هل توجد آلية للاعتراض أو المراجعة؟
¤وهل هناك بيانات جديدة يمكن أن تستدعي تعديله؟
وفي المقابل…
المؤسسة الناضجة لا تسأل فقط:
“كيف نجعل المواطن يقبل القرار؟”
بل تسأل:
“كيف نتأكد أن القرار نفسه قابل للمراجعة إذا أثبت الواقع أنه يحتاج إلى ذلك؟”
فالقرار العام ليس امتحانًا لهيبة من أصدره.
إنه أداة لتحقيق مصلحة عامة.
《والقوة المؤسسية ليست في ألا تتراجع أبدًا…
بل في أن تستطيع أن تراجع عندما تظهر معلومات أفضل.》
وربما تكون المشكلة الحقيقية أننا ننسى أن العلاقة بين المواطن والدولة ليست علاقة خصومة أصلًا.
المواطن ليس خصمًا للدولة.
والدولة ليست خصمًا للمواطن.
لكن بينهما مسؤوليات وحقوق وتوقعات ومصالح قد تتعارض أحيانًا، وتحتاج إلى إدارة عقلانية للخلاف..
وحين يتحول كل خلاف إلى معركة كرامة…
يفقد الجميع القدرة على رؤية السؤال الأهم:
ما الذي يخدم الناس فعلًا؟
لذلك ربما نحتاج جميعًا إلى الخروج من سؤال:
“من انتصر؟”
إلى سؤال أكثر نضجًا:
“هل وصلنا إلى قرار أفضل؟”
لأن الدولة التي تسمع مواطنيها لا تفقد هيبتها…
والمواطن الذي يختلف مع قرار دون أن يحول اختلافه إلى عداء، لا يفقد وطنيته..
وفي النهاية…
المشكلة ليست أن يختلف المواطن مع الدولة.
المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى صورة
أن نفصل بين الوطن والقرار،
وبين المؤسسة والشخص،
وبين النقد والعداء،
وبين الطاعة والاقتناع.
فربما لا يكون السؤال:
كيف نجعل المواطن والدولة لا يختلفان؟
بل: كيف نجعلهما يختلفان دون أن يفقد أحدهما الآخر؟








