أقنعة الوسطية: حين يُصبح ميزان العدل وِجْهَة نظر!
بقلم: عبد المجيد عبوبي
حين وصف الله تعالى صاحب الرأي الرشيد في سورة القلم بقوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾، أجمع المفسرون على أن “أوسطهم” ليس الأكثر سناً أو موقعاً، بل هو أعدلهم، وأعقلهم، وأفضلهم رأياً. وهو المعنى ذاته الذي لخصه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سُئل عن “الوسط” فاختصر الفلسفة كلها بكلمة واحدة: “هو العدل”.
لكن الإشكالية الكبرى التي تواجه المجتمعات عبر تاريخها لا تكمن في جهل هذه المعاني السامية؛ فالجميع يرفع شعار الوسطية والعدل، ويصاغ المفهوم نظرياً كأنه حقيقة مطلقة لا يختلف عليها اثنان. التحدي الحقيقي والأناني يبدأ حين ننتقل من بريق الشعارات إلى أرض الواقع الميداني؛ حيث تُخلع الأقنعة وتُقاس الأشياء بموازين الأهواء.
إن الأزمة اليوم تجسد فجوة عميقة بين الادعاء والممارسة؛ إذ يتخذ الكثير من المفكرين والرموز الفكرية والدينية شعار “الوسطية والاعتدال” عباءةً فضفاضة يُزينون بها أحاديثهم، لكنهم عند تنزيل هذه الشعارات على القضايا الخلافية والمعارك السياسية، يميلون ميلاً حاداً نحو التطرف والانحياز الفئوي. لقد تحولت الوسطية في كثير من الأحيان من ميزانٍ مجرد للعدل، إلى أداة تبريرية يُصم بها المخالف بالتطرف، بينما يُسبغ على الذات صفة الاعتدال والرشاد.
إن الخط الفاصل بين الشجاعة والتهور، أو بين الحكمة والتساهل، ليس خطاً مسطوراً بمسطرة حديدية يراها الجميع بالدرجة نفسها؛ فما يراه شخصٌ موقفاً وسطاً وعادلاً، قد يراه آخر انحرافاً أو تطرفاً. ويعود جزء كبير من هذا الخلل إلى طبيعة العقل البشري، فهو ليس آلة معصومة، بل كائن يتأثر بانحيازاته النفسية والمصالح والأيديولوجيات، مما يجعله يفسر “العدل” بما يخدم مقاصده الخاصة، ويتوهم أنه وحده الممسك بتلابيب الحق.
إن الوصول إلى صفة “أوسطهم” —أي الأكثر حكمةً وعدلاً— لا يكون بمجرد التسمي بالوسطية أو ادعاء احتكارها، بل يبدأ بـ التواضع الفكري والإنصاف الذاتي؛ أن يراجع الإنسان مواقفه باستمرار، ويعترف بحدود عقله وقصوره، ويتجرد من هواه عند الحكم على الأشياء، ليكون ميزانه عادلاً بحق، لا بحسب ما تشتهيه النفوس وتمليه الانحيازات.








