أدب وثقافةقصص قصيرة

الكُرَيَّةُ الثّالثة. قصة قصيرة. بقلم/ سلمى بن عبد النور

الكُرَيَّةُ الثّالثة

 

بقلم/ سلمى بن عبد النور. تونس

مدّ يده إلى الطّعام يأكل على مهلٍ، ويمضغه بتلذُّذ، وبين الفينة والأخرى يرتشّف كأسه، ثم يواصل الانتقال من صحن إلى آخر بأناقة ورشاقة ..

في الأثناء أثارت انتباهه النّادلة الواقفة تجيب حريفا يهمّ بالمغادرة باختصار ولباقة فتقول :” أنا لا أعرف بلدي الأمّوات منّى أن أزوره ”  انغرزت كلماتُها في قلبه قبل أذنه وسافرت به إلى بلده على جناحٍ حالمٍ في سرعة الضّوء .

تذكّر حوشهم الواسع ذا الأسوار العالية وباحتَه التّرابيّة وغُرَفَه التي احتفظتْ بكل ما هو عتيق وبسيط. تذكّر الحيَّ وبعضَ الوجوه والأسماء كّر مرورَه اليوميَّ من أمام باب المغاربة وهو ينعطف يمينًا قاصدًا الكُتّاب ليحفظَ القرآن..

برزت كلُّ الصّوَر متلاحِقة، تركض في ذاكرته ركضا مجنونا، وتوقّف ركضُها في ذهنه عند مشهد ثابتٍ .. فتوقّف عن المضغ ووضع الشوكة والسّكين.

إنه لا يزال يتذكر يوم طُردوا من حوشهم وكيف صاحت الأم وناحَتْ ووَلْوَلت و كيف ضربوا الوالد وهدّدوه بالقتل واشهروا السّلاح في وجهه، لكنّه لم يخف، جثا على ركبتيه متوسّلا ثم مستنكِرا فمتمرِّدا، احتضن التّراب، تمرّغ فوقه، صرخ غاضبًا  ” لن أخرج، اقتلوني وسأطمئنّ أنّي باقٍ هنا أروي التّراب بدمي..”

كان عمر الصّبيّ حينها خمس سنوات، لم يكن يعرف هؤلاء الغرباء الذين أرعبوه، فبكى مثلما بكت أمّه، وصرخ مثلما صرخ أبوه، ملأ كفّه الصّغير بحفنة من التّراب وعفّر بها وجه الجنديّ الغريب انتقامًا منه، فازداد حنقًا وسَخَطًا وكاد يقتله بركلة مجنونة .

ثمّ خرجوا بعد ذلك من المنزل يحملون ما أمكن من الزّاد واللّباس مصرور في قطع من قماش … وجدوا في الطّريق قافلة بشريّة طُردوا أيضا من ديارهم..

استوطن المغتصِبون منازل الأجداد، حزنتْ الجدرانُ حزنا لا يفقهه إلاّ السّاكنون في مخيّمات الشّتات. وكَمَنْ يقطّع أوصالَ ذبيحةٍ، هجّروه مقصرا نحو أماكن كثيرة في بقاع الأرض الغريبة، وبات من نصيبه هو وأسرته الاستقرار في بلاد بعيدة جدا وغريبة عنهم… هاجروا يحملون مفتاح منزلهم القديم في القدس ويحملون في وجدانهم حبّ فلسطين ورائحة الذكريات.. يحملون في القلوب حزنا يمتدّ من جيل إلى جيل كسلسلة حديدية ثقيلة تدمي القلب …

أوجعه الماضي وأرهقه الشّوق، ابتلع لقمته الأخيرة ثمّ أشار إلى النّادلة، فأقبلت نحوه مبتسمة وترجو له الاستمتاع بالأكل، والرّضا بخدمات المطعم الفاخر .  غير أنّ إجابته وهو يتأمّل عينيها الكستنائيّتين, قد فاجأتها عندما قال لها:

_  اعذري تطفّلي،سيدتي .. لقد فهمت من حديثك مع الزّبون الآخر قبيْل قليل إنك لم تزوري موطنك أبدًا

أجابت بابتسامة أسف وحزن :

_ أنا من أصول إيطاليّة …  لكنّ لجدّي رأي آخر، إذْ هاجر إلى أمريكا بحثا عن الأحلام والآمال .

ردّ متحسّرا وهو يحدّق في الأفق :

– وما الّذي يمنعك من السفر إلي حيث جذورك الأولى؟

ردّت مرتبكة :

صحيح أنّ حنينا جارفا يكاد يقتلعني من هنا ولكن قلّة ذات اليد تثبّتني تثبيتا.

فقال لها مستفسرا :

– المال فقط هو ما يردعك عن السفر إلى إيطاليا؟

ردّت وهي تحاول إنهاء الحديث بلطف :

– المال والبُعد ..إنّها قيود الجغرافيا يا سيدي

ألقى نظرة سريعة على فاتورة طعامه وفتح حافظة النقود الجلديّة الفاخرة ومدّ إليها المبلغ المطلوب وقبل أن تستدير استوقفها لحظة وناولها ضمّة من الأوراق الماليّة وقال لها :

_ ثمن تذكرتك إلى جذورك البعيدة هديّة مني .. سافري،شُمّي تراب بلدك وقبّليه، استنشقي هواءه، استظلّي بأشجاره، فحُبُّ البلاد كُريَّة ثالثة تجري في الدّم .

أمّا أنا فلم يكن المال وسيلتي لبلوغ فلسطين ولا الجغرافيا من صفتي ولا الأحلام مطيّتي

زر الذهاب إلى الأعلى