أَبٌ يَنامُ عَلَى الكَنَبَةِ.. وَأَطْفالُهُ يَخْرُجُونَ لِلْعَمَلِ! مَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَ غِيابِ المَسْؤُولِيَّةِ؟
دعاء شعبان تكتب
فِي بَعْضِ البُيُوتِ، لَا تَبْدَأُ المَأْساةُ عِنْدَما يَكْبَرُ الأَبْناءُ، بَلْ تَبْدَأُ مُنْذُ طُفُولَتِهِمْ.
طِفْلٌ كانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَحْمِلَ حَقِيبَتَهُ المَدْرَسِيَّةَ، وَيَذْهَبَ إِلَى المَدْرَسَةِ، وَيَلْعَبَ مَعَ أَصْدِقائِهِ، وَيَحْلُمَ بِمُسْتَقْبَلِهِ… يَجِدُ نَفْسَهُ يَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً أَكْبَرَ مِنْ عُمْرِهِ، وَيَخْرُجُ لِلْعَمَلِ حَتَّى يُساعِدَ فِي مَصارِيفِ البَيْتِ.
وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يَجْلِسُ الأَبُ فِي المَنْزِلِ، غَيْرَ رَاغِبٍ فِي العَمَلِ، وَيَنْتَظِرُ أَنْ يَأْتِيَ المَالُ مِنْ أَبْنائِهِ.
هُنا لَا نَتَحَدَّثُ فَقَطْ عَنِ الفَقْرِ، وَلَا عَنْ ضِيقِ المَعِيشَةِ، وَإِنَّمَا نَتَحَدَّثُ عَنْ غِيابِ المَسْؤُولِيَّةِ عِنْدَما يَكُونُ الأَبُ قادِرًا عَلَى العَمَلِ.
هُناكَ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ أَبٍ اضْطَرَّتْهُ الظُّرُوفُ إِلَى قَبُولِ مُساعَدَةِ أَبْنائِهِ، وَبَيْنَ أَبٍ اخْتارَ الاتِّكالَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَفَعَ أَطْفالَهُ إِلَى سُوقِ العَمَلِ وَهُمْ ما زالُوا فِي سِنٍّ يَحْتاجُونَ فِيهَا إِلَى التَّعْلِيمِ وَالرِّعايَةِ.
الطِّفْلُ عِنْدَما يَعْمَلُ قَبْلَ أَوانِهِ، لَا يَخْسَرُ ساعَاتٍ مِنَ اللَّعِبِ فَقَطْ؛ بَلْ قَدْ يَخْسَرُ تَعْلِيمَهُ، وَصِحَّتَهُ، وَأَمانَهُ، وَفُرْصَةً حَقِيقِيَّةً فِي بِنَاءِ مُسْتَقْبَلِهِ.
وَالأَكْثَرُ قَسْوَةً أَنْ يَسْمَعَ الطِّفْلُ جُمْلَةً مِثْلَ:
«لَازِمْ تِشْتَغِلْ عَشَانْ تُساعِدْ أَبُوكَ.»
كَيْفَ يُمْكِنُ لِطِفْلٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ أُسْرَةٍ كامِلَةٍ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةَ نَفْسِهِ؟
الأَبْناءُ لَيْسُوا مَشْرُوعًا لِلْإِنْفاقِ عَلَى الآباءِ.
وَالطِّفْلُ لَيْسَ مُوَظَّفًا صَغِيرًا لِسَدِّ فَوَاتِيرِ البَيْتِ.
نَعَمْ، هُناكَ أُسَرٌ فَقِيرَةٌ تَدْفَعُهَا الحاجَةُ إِلَى تَشْغِيلِ أَطْفالِهَا، وَهُنا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ المُجْتَمَعُ وَالدَّوْلَةُ وَالمُؤَسَّساتُ المَعْنِيَّةُ جُزْءًا مِنَ الحَلِّ، لَا أَنْ نَلُومَ أُسْرَةً تُواجِهُ الفَقْرَ وَكَأَنَّهَا اخْتارَتْ ظُرُوفَهَا.
لَكِنْ عِنْدَما يَكُونُ الأَبُ قادِرًا عَلَى العَمَلِ، ثُمَّ يَتْرُكُ أَطْفالَهُ يَعْمَلُونَ وَيَعُودُونَ إِلَى المَنْزِلِ بِأُجُورِهِمْ، بَيْنَما هُوَ جالِسٌ يَنْتَظِرُ ما سَيَحْصُلُونَ عَلَيْهِ، فَهُنا يَجِبُ أَنْ نَتَوَقَّفَ أَمامَ السُّؤالِ:
أَيْنَ مَسْؤُولِيَّةُ الأَبِ؟
الرُّجُولَةُ لَيْسَتْ أَنْ تَجْعَلَ ابْنَكَ الصَّغِيرَ يَحْمِلُ مَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ حَمْلَهُ.
وَلَيْسَتْ أَنْ تَقُولَ لَهُ: «أَنْتَ رَاجِلُ البَيْتِ»، لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ أَصْبَحَ مُضْطَرًّا لِلْعَمَلِ.
الطِّفْلُ يَظَلُّ طِفْلًا، حَتَّى لَوْ أَجْبَرَتْهُ الظُّرُوفُ عَلَى أَنْ يَبْدُوَ أَكْبَرَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَمِنْ أَخْطَرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْعَلَهُ بِأَطْفالِنا أَنْ نَجْعَلَهُمْ يَدْفَعُونَ ثَمَنَ أَخْطاءِ الكِبارِ.
الأَبُ الحَقِيقِيُّ لَا يُرِيدُ لِابْنِهِ أَنْ يَعِيشَ الحَياةَ الَّتِي عاشَها هُوَ مِنْ تَعَبٍ وَحِرْمانٍ، بَلْ يَسْعَى بِكُلِّ مَا يَسْتَطِيعُ حَتَّى يَمْنَحَهُ فُرْصَةً أَفْضَلَ.
فَإِذَا كانَ الأَبُ قادِرًا عَلَى العَمَلِ، فَلْيَعْمَلْ.
وَإِذَا كانَ عاجِزًا، فَلْيَطْلُبِ المُساعَدَةَ دُونَ خَجَلٍ.
أَمَّا أَنْ يَجْلِسَ قادِرًا، بَيْنَما يَخْرُجُ أَطْفالُهُ إِلَى الشَّوارِعِ بَحْثًا عَنْ لُقْمَةِ العَيْشِ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ تَرْبِيَةً عَلَى الرُّجُولَةِ…
هَذِهِ سَرِقَةٌ لِسَنَوَاتِ الطُّفُولَةِ.
فَالطُّفُولَةُ لَا تَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى…
وَمَا يُنْتَزَعُ مِنَ الطِّفْلِ اليَوْمَ، قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِعَادَتَهُ غَدًا.








