مقالاتمنوعات

من ردّ الرئيس السيسي بشأن سيناء إلى معركة الوعي التي لا يجوز أن يخسرها المواطن

من ردّ الرئيس السيسي بشأن سيناء

إلى معركة الوعي التي لا يجوز أن يخسرها المواطن

 

بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية

ليست كل المعارك تبدأ بصوت المدافع، وليست كل الانتصارات تُحسم في ميادين القتال؛ فهناك معارك تبدأ بكلمة، ويكون الهدف منها اختبار رد الفعل، وقياس الوعي، ومحاولة زرع الشك في نفوس الشعوب.
وقد جاءت التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن سيناء لتكشف أهمية امتلاك القدرة على الرد السياسي الواضح، الذي لا ينساق وراء الاستفزاز، ولا يسمح للآخر بأن يفرض عليه قواعد الحوار.

حين لوّح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بإمكانية خسارة مصر سيناء إذا دخلت حربًا ضد إسرائيل،

جاء رد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في 14 أكتوبر 2026،
مستندًا إلى حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها: مصر خاضت حربًا دفاعًا عن أرضها واستعادت كامل أراضيها. كما أكد أن مصر لا تحمل مطامع تجاه أحد، وأن أولويتها حماية أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها. وهنا تكمن دلالة الرد، لا في مجرد حدّته، بل في الرسالة التي يحملها.
فمصر لا تحتاج إلى الدخول في سباق للتهديدات كي تثبت موقفها، ولا ينبغي أن تسمح لخصمها بأن يحدد لها متى تتحرك وكيف تفكر. فالدولة الواثقة من تاريخها ومواقفها تستطيع أن ترد بالحجة، وأن تتمسك بحقها، وأن توازن بين حماية أمنها والحفاظ على السلام.
إن الاستعداد للحرب لا يعني الرغبة فيها، والتمسك بالسلام لا يعني العجز عن الدفاع عن الوطن. وبين المعنيين تقف مسؤولية الدولة في امتلاك عناصر القوة، وحماية حدودها، وإدارة علاقاتها بحسابات دقيقة، لا بردود الفعل العاطفية.
لكن الرسالة الأهم لا ينبغي أن تتوقف عند حدود السياسة؛ بل يجب أن تصل إلى كل مواطن مصري.
فإذا كانت الدولة تستعد لحماية حدودها، فإن المجتمع مطالب بحماية جبهته الداخلية. وفي عصر تتسارع فيه المعلومات، قد تتحول الشائعة إلى أزمة، والمعلومة المبتورة إلى فتنة، والخلاف الطبيعي إلى انقسام إذا غاب العقل وتراجع التحقق وحل الغضب محل التفكير.

وهنا تظهر خطورة ما يُشار إليه بحروب الجيل الخامس، حين تُستخدم أدوات التأثير المعلوماتي والنفسي والاجتماعي لاستثمار نقاط الضعف، وإضعاف الثقة، وتوسيع الشروخ داخل المجتمعات. وليس كل خلاف مؤامرة، ولا كل نقد استهدافًا؛ لكن الخطر يبدأ عندما نفقد القدرة على التمييز بين النقد المسؤول والتضليل المتعمد، وبين الاختلاف الذي يثري المجتمع والتحريض الذي يمزقه.

الوعي الوطني ليس أن نصدق كل ما يُقال باسم الوطن، بل أن نتحقق، ونفكر، ونناقش، ونرفض التضليل من أي مصدر جاء.
والمواطن الواعي لا يشارك خبرًا لمجرد أنه يثير غضبه، ولا يحوّل الخلاف إلى عداوة، ولا يسمح لمن يريد تفكيك المجتمع بأن يستخدمه أداة في معركة لا يدرك أهدافها.

إن قوة مصر لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية، وإنما أيضًا بوعي أبنائها، وتماسك مؤسساتها، وقدرة مجتمعها على مواجهة الأزمات بعقل ومسؤولية. والتماسك الحقيقي لا يعني إسكات الأسئلة أو إلغاء الاختلاف، بل بناء الثقة بالمعلومات الصحيحة، والشفافية، والعدل، واحترام القانون.

لقد استردت مصر أرضها بإرادة وتضحيات تاريخية، وأصبحت صيانة هذا الإنجاز مسؤولية تتجدد كل يوم؛ عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ومجتمعيًا.
فلا يكفي أن نعرف كيف نرد على الاستفزاز، بل يجب أن نتعلم كيف لا نقع في فخه. ولا يكفي أن نحتفل بتاريخنا، بل ينبغي أن نحوّل دروسه إلى وعي يحمي حاضرنا ويصون مستقبلنا.
فالوطن لا تحميه القوة وحدها، ولا يصونه الوعي وحده؛

إنما تحميه قوةٌ رشيدة، وقيادةٌ مسؤولة، وشعبٌ يقظ يعرف متى يختلف، ومتى يتكاتف، وكيف يرفض أن يكون وقودًا لفتنة أو أداةً في يد من يستهدف استقراره.
فحماية سيناء كانت معركة استرداد الأرض…
أما حماية وعي المصريين فهي مسؤولية مستمرة لا يجوز التهاون فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى