ابن عفيف في حروب الإمام. بقلم: محمـــد الدكـــروري
ابن عفيف في حروب الإمام
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية كما جاء في كتب السيرة النبوية الشريفة الكثير عن ابن عفيف الأزدي، وقيل انه من خيار أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد لازمه في حروبه الثلاث، حتى فقد عينه اليمنى في الجمل، واليسرى في صفين، فبقي ملازما المسجد، يصلي ويعبد الله تعالى، والإيمان يملأ قلبه، حتى جاء المواجهة الكبرى بين الحق والباطل. ومن أقوى الاحتمالات أن يكون هذا التابعي الجليل ممن كتب إلى الإمام الحسين بن علي، ويعده صدقا بأن يبايعه خليفة للمسلمين، لدى وصوله إلى الكوفة، وربما هنالك آخرين على نفس الموقف، ولم تسنح لهم الفرصة بالظهور أمام الامة آنذاك، والتاريخ يقول السعادة الأبدية كانت من نصيب هذا الإنسان العظيم، الذي تجاوز حالة العوق بكل ثقة واعتداد.
فهو لا يتمكن من نصرة الحق بيده، إلا انه يتمكن بلسانه عندما يسمع يواجه الباطل وهو يزعق في أوساط الأمة، وقد قالها أمام ابن زياد عندما اعتقله الجلاوزة وأتوا به، بأني كنت أتمنى الشهادة في جبهة الحق، إلى جانب الإمام علي رضي الله عنه، وبعد تعرضي للعوق بعيني، يئست منها، وقد دعوت الله تعالى بأن أرزق الشهادة قبل إن تلدك أمك، وان تكون ذلك على يد ألعن خلقه وأبغضهم إليه والآن أحمد الله على إن زرقني الشهادة بعد اليأس منها، فكم من أصحاب الإمام علي كرم الله وجهه، الذين كانوا معه في معاركه الثلاث مع الناكثين والمارقين والقاسطين، وقد شهدوا واقعة الطف، أو كانوا في الكوفة يومذاك؟ وأين هم من عبد الله بن عفيف الأزدي الذي نال الشهادة وهو مسرور بتحقيق مبتغاه؟
لم يسجل لنا التاريخ موقفا بطوليا كالذي نقرأه عن هذا الصحابي البطل، وإلا لبرز وسطع وسط الظلام الدامس من الحياة التي عاشها المسلمون آنذاك وما يؤكد ذلك هو خلود مواقف بطولية، ليست من رجال إنما من نساء، مثل “طوعة” تلك المرأة، التي كانت بين آلاف النساء في الكوفة، تميزت فقط لأنها آوت مسلم ابن عقيل في تلك اللحظة التاريخية والمصيرية، وكذلك تجدر الإشارة إلي امرأة في سياق حديثنا عن هذا البطل، وهي ابنته الشابة التي لم يذكر لنا التاريخ اسمها، ولكن موقفها البطولي ورباطة جأشها ما من شأنه ان يعطي دروسا بليغة وعظيمة للأجيال، فبعد ذلك الرد الشجاع من عبد الله ابن عفيف الأزدي في وجه ابن زياد وأمام الناس، وقبل أن يصل إليه الجلاوزة.
تمكن اصحابه وابناء عشيرته من اخراجه من المسجد والانطلاق به الى منزله، فلحقوا به لاعتقاله، وبعد معارك دامية بين أنصار الأزدي من عشيرته، وبين جلاوزة ابن زياد، اقتحموا عليه الدار، فلم يكن معه في الدار سوى ابنته، فهذا الشيخ الطاعن في السن، والمكفوف البصر، ومعه ابنته الشابة، ثم يتم اقتحام الدار لاعتقال الرجل وقتله، فما يكون موقف هذه الفتاة؟ فلننظر الى آثار التربية الصالحة من أب موالي وشيعي حقيقي لابنته، فلولا تفانيه في القتال والتضحية والبسالة منذ عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحتى اللحظات ألأخيرة وهو يواجه الجلاوزة بسيفه، يدور به لقتال الاعداء بثقة نفس عالية، لما وقفت ذلك الموقف العظيم، وهي تقوم بدور الموجه لأباها.
وهو يدور بسيفه دفاعا عن نفسه وحتى لا يتجرأ أحد بالاقتراب اليه، فكلما احتووه من جانب، صاحت بأبيها أن يحذر ذاك الجانب وينتبه إلى الجلاوزة، مما أعياهم أمره وعجزوا عن الإمساك به، إلا بعد فترة طويلة، وإصابة عدد كبيرة منهم بجراح، وهنا صاحت هذه الابنة المصونة والمؤمنة وهتفت “يا أبتاه ليتني كنت رجلا أخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة” وهكذا ينقل لنا التاريخ مقاطع من كلامها، مما يستدعي التأمل بوجود هكذا وعي لدى شريحة من المجتمع الكوفي بحقيقة الأمور، ولكن المشكلة هي في قلة هذه الشريحة أمام السواد الأعظم الذي اشترى ابن زياد ذممهم وضمائرهم.





