اختار السلام
بقلم / هبة شاهين. الإسكندرية
هناك نوع من السلام لا يأتي لأن الحياة أصبحت أجمل… بل لأنه لم يعد لديك صراع مع أقدارك. تصالحت مع فكرة
أن ليس كل إنسان كُتب له أن يجد في إخوته أو أقاربه السند الذي كان يحلم به. فالأرزاق ليست مالًا فقط، وإنما قلوبٌ تحتويك، وأكتافٌ تستند إليها، وأشخاصٌ تشعر معهم أنك لست وحدك.
وقد يحرم الإنسان من هذا الرزق، لكنه لا يُحرم من عوض الله. ولم يعد يؤلمني أن تكون المسافات أحيانًا بين القلوب أكبر من المسافات بين البيوت، لأنني أدركت أن صلة الرحم مسؤولية، أما صفاء النفوس فهو رزق.
ويكفيني عزاءً أن هذا ليس طريقًا لم أمشِ فيه وحدي؛ فقد كان النبي ﷺ يرى من أقرب الناس إليه نسبًا أشد الناس إيذاءً وعداوة،
ليعلمنا أن القرابة لا تصنع المحبة، وأن النسب لا يضمن الوفاء، وأن قيمة الإنسان فيما يحمله قلبه، لا فيما تحمله شجرة عائلته.
تصالحت… حتى أصبحت أفعل الخير مع من أساء، لا لأن الإساءة هانت، ولكن لأنني لا أريد أن أخسر نفسي وأنا أواجه أخطاء غيري.
وأحفظ الود ما استطعت، فإن انقطع من الطرف الآخر، تركته لله دون ضجيج أو خصومة.
وتصالحت… حتى لم أعد أنتظر اهتمامًا ممن لا يعرف قيمته، ولا أعاتب كثيرًا، ولا أرهق قلبي بمحاولات إثبات مكانتي عند أحد.
فالذي يعرف قدرك لن تحتاج أن تشرح له، والذي لا يعرفه لن تقنعه مهما فعلت.
تعلمت أن بعض العلاقات لم تُخلق لتدوم، وإنما جاءت لتعلّمنا درسًا، وأن بعض الخيبات لم تكن عقابًا، بل كانت حماية من تعلقٍ في غير موضعه.
لذلك صرت أطمئن إلى عدل الله أكثر من اطمئناني إلى عدل البشر، وأثق في عوضه أكثر من ثقتي في وعود الناس.
فإن ضاق بك قلبك يومًا من أقرب الناس إليك، فلا تظن أن الله نسيك… ربما كان يربّيك على حقيقة عظيمة:
أن السند الحقيقي ليس من يحمل اسم عائلتك… بل من يسكن اللهُ الرحمةَ والوفاء في قلبه.







