الاستقرار ليس صمتًا.. والحرية ليست فوضى
بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية
هناك نِعَمٌ اعتدنا وجودها حتى أصبحنا لا نلتفت إلى قيمتها؛ أن تستيقظ في الصباح وتذهب إلى عملك، وأن يذهب أبناؤك إلى مدارسهم، وأن تتحرك في الشوارع، وأن تجد مؤسسات الدولة قائمة بأدوارها… قد تبدو تفاصيل عادية في يومياتنا، لكنها في الحقيقة تمثل أحد أهم مقومات الحياة المستقرة.
الأمان ليس تفصيلًا صغيرًا في حياة الوطن؛ إنه الأرض التي يمكن أن يقف عليها الاقتصاد، والتعليم، والعمل، والتنمية. لكن الحفاظ على الاستقرار لا يعني أن نتوقف عن السؤال، ولا أن نغلق باب النقد، ولا أن نتعامل مع كل مطالبة باعتبارها خصومة. على العكس؛ فالدولة التي تريد أن تتقدم تحتاج إلى مواطن يتحدث، ومسؤول يستمع، ومؤسسات تراجع وتحاسب.
وهنا تبدأ المعادلة الأكثر أهمية:
صوتك حق.. لكن صوتك مسؤولية أيضًا.
من حق المواطن أن يسأل: لماذا حدث هذا؟ ومن حقه أن يطالب بتحسين خدمة، ومن حقه أن يعترض على قصور يراه، ومن حقه أن يطالب بمواجهة الفساد… لكن ليس من حق أحد أن يحول الظن إلى حقيقة، أو الاتهام إلى إدانة، أو المعلومة المجهولة إلى خبر يتناقله الآلاف.
النقد يبني عندما يستند إلى الحقيقة، أما الشائعة فتهدم حتى عندما تبدأ من مشكلة حقيقية. وهنا تكمن إحدى أخطر مسؤوليات عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالمعلومة اليوم لا تحتاج إلى صحيفة أو محطة تلفزيون حتى تنتشر، بل هاتف واحد يستطيع أن يجعل خبرًا غير موثق يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق.
ولهذا أصبح المواطن نفسه جزءًا من منظومة الإعلام، شاء أم أبى.
¤ قبل أن تكتب.. اسأل.
¤ قبل أن تنشر.. تحقق.
¤ وقبل أن تتهم.. امتلك الدليل.
فقد تكون ضغطة واحدة على زر «مشاركة» سببًا في ظلم إنسان، أو إثارة خوف، أو تشويه مؤسسة، أو نشر حالة من البلبلة لا تستند إلى حقيقة.
مواجهة الفساد لها طريق آخر
إذا رأى المواطن فسادًا أو مخالفة، فالقوة ليست في إطلاق الاتهامات على مواقع التواصل، وإنما في المعلومة الموثقة، والبلاغ المسؤول، والقانون، والمؤسسات الرقابية. بهذه الطريقة يتحول الغضب من مجرد انفعال إلى فعل إصلاحي.
وهنا يصبح المواطن شريكًا حقيقيًا في حماية وطنه؛ لا لأنه يصمت عن الخطأ، وإنما لأنه يرفض الخطأ، ويرفض في الوقت نفسه أن يحاربه بخطأ آخر.
الدولة تسمع.. والمواطن يشارك
ولعل ملف التعليم يقدم نموذجًا واضحًا على أهمية وصول صوت المجتمع إلى دوائر صنع القرار؛ فالمطالبات بأن تكون الامتحانات أكثر وضوحًا وأن يعرف الطالب حدود ما يُمتحن فيه ليست مجرد أصوات عابرة. وعندما تتحول هذه المطالب إلى توجيهات ومراجعات وسياسات، فإن الرسالة الأهم هي أن صوت المواطن يمكن أن يتحول إلى قرار عندما يكون قائمًا على مطالبة حقيقية ومنطقية.
وهذا هو المعنى الذي يجب أن نرسخه: ليس المطلوب من المواطن أن يصفق لكل شيء، وليس المطلوب من الدولة أن توافق على كل شيء. المطلوب أن تكون هناك مساحة للحوار المسؤول، وأن يكون الاختلاف وسيلة للوصول إلى الأفضل، لا بابًا للفوضى.
مصر أولًا.. لا تعني أن نتوقف عن الإصلاح
حب الوطن لا يعني أن نقول إن كل شيء كامل؛ فلا توجد دولة بلا تحديات، ولا مجتمع بلا أخطاء، ولا مؤسسة فوق المراجعة. لكن الفرق بين مجتمع يبني ومجتمع يهدم هو طريقة التعامل مع المشكلة:
* أن ترى الخطأ فتبحث عن حله.
* أن ترفض الفساد فتواجهه بالدليل والقانون.
* أن تختلف فتحتفظ بأخلاق الاختلاف.
* أن تسمع خبرًا فتسأل عن مصدره قبل أن تصبح أنت مصدره.
* وأن تعرف أن انتقاد أداءٍ ما لا يعني كراهية الوطن، كما أن الحفاظ على الوطن لا يعني التغاضي عن الخطأ.
رسالة نوعية
نحن في حاجة اليوم إلى معادلة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: دولة قوية تسمع.. ومواطن واعٍ يتحدث.. وقانون يحاسب.. ومجتمع يرفض الشائعة.
عندها يصبح الاستقرار حمايةً للتنمية، وتصبح حرية التعبير وسيلةً للإصلاح، ويصبح وعي المواطن خط دفاع حقيقيًا عن الدولة. فالوطن لا يحتاج مواطنًا صامتًا خوفًا، ولا مواطنًا غاضبًا بلا وعي؛ بل يحتاج مواطنًا يعرف متى يعترض، وكيف يعترض، ومتى يصمت عن الشائعة، ومتى يتحدث بالحقيقة.
رسالة وعي
صوتك مسموع.. فلا تجعله أداة للفوضى.
وصوتك مؤثر.. فلا تمنحه إلا للحقيقة.
انتقد من أجل الإصلاح،
وطالب من أجل الأفضل،
واجه الفساد بالدليل،
وتحقق قبل أن تنشر.
فأمن الوطن ليس مسؤولية رجل الأمن وحده، والتنمية ليست مسؤولية الحكومة وحدها.. كلاهما يبدأ من مواطن يعرف قيمة الكلمة وقيمة الوطن.
أنا شريك في التنمية.. لأن وعيي جزء من قوة بلدي.
ومصر بإيدي هبنيها.
هل أنت مستعد؟
رحلة نجاحك قرارك أنت.







