د نرمين طاحون: المستثمر يبحث عن الاستقرار وسرعة الإجراءات..
والاتفاقيات الاقتصادية بوابة لجذب التكنولوجيا
كتبت/ هدى العيسوى
في وقت تتسابق فيه الاقتصادات حول العالم على جذب الاستثمارات وتوفير بيئة أعمال أكثر مرونة، أصبحت سرعة الإجراءات ووضوح التشريعات واستقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي عوامل حاسمة في قرار المستثمر، إلى جانب الحوافز المالية والضريبية. وفي مصر، ورغم الخطوات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة لتحسين مناخ الاستثمار ودعم القطاع الخاص، لا تزال هناك تحديات إجرائية وتشريعية تحتاج إلى مزيد من المعالجة، خاصة فيما يتعلق بتعدد جهات الولاية وتداخل الاختصاصات وطول رحلة الحصول على التراخيص والتصاريح.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لزيادة الإنتاج المحلي، وتوفير فرص العمل، ودعم الصادرات، وتعميق التصنيع المحلي، وهو ما يتطلب بيئة قانونية أكثر بساطة ومرونة، تتيح للمستثمر الانتقال من مرحلة تأسيس الشركة إلى بدء الإنتاج في أقصر وقت ممكن.
وتؤكد الدكتورة نرمين طاحون، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمكتب طاحون للمحاماة والاستشارات القانونية، أن مصر تمتلك مقومات قوية تمكنها من المنافسة على الاستثمارات الإقليمية والدولية، لكنها بحاجة إلى تقليل البيروقراطية وتوحيد جهات الولاية وتقديم الخدمات الحكومية من خلال منظومة رقمية موحدة.
وفي حوارها، تستعرض طاحون تجربتها المهنية، وتقييمها للبيئة التشريعية والاستثمارية، وأبرز العقبات التي تواجه المستثمر، ورؤيتها لزيادة الاستثمارات الأجنبية وتوطين الصناعة، فضلًا عن أهمية الأراضي الصناعية ودور الاتفاقيات الاقتصادية في جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا إلى السوق المصرية.
وترى د نرمين طاحون، أن التجربة المصرية في عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص بدأت مبكرًا، وأن الدولة كانت من أوائل دول المنطقة التي عملت على وضع إطار تشريعي لهذا النوع من المشروعات، إلا أن العبء الأكبر في مشروعات البنية الأساسية لا يزال يقع على الدولة.
كيف بدأتِ تجربة تأسيس مكتب طاحون للمحاماة؟
في فبراير 2010 اتخذت قرارًا بالمخاطرة والخروج من العمل الحكومي لتأسيس مكتبي الخاص، وكانت الفكرة أن أتنوع في طبيعة العملاء وأنتقل من العمل مع القطاع الحكومي فقط إلى التعامل مع القطاع الخاص والمستثمرين.
كنت أمتلك في ذلك الوقت خبرة متخصصة في مشروعات المشاركة بين القطاعين العام والخاص، أو ما يعرف بـPPP، وهو مجال لم يكن منتشرًا بصورة كبيرة في مصر أو المنطقة. وكنت من المشاركين في إعداد قانون المشاركة مع القطاع الخاص وصياغة العقود النموذجية، وحصل أحد هذه العقود على إشادة وجائزة من البنك الدولي باعتباره من أفضل العقود في منطقة الشرق الأوسط.
بدأ المكتب بإمكانيات محدودة للغاية، لكن مع الوقت توسع تدريجيًا، وأصبح لدينا اليوم نحو 25 محاميًا و7 إداريين. بالنسبة لي، الأهم من حجم المكتب هو الحفاظ على الجودة والثقة التي نبنيها مع العملاء.
وما أهم ما تعلمته من تجربة تأسيس مكتب في هذا التوقيت؟
أهم درس هو أن بناء الاسم والثقة أهم من المكسب السريع. عندما يأتي إليّ عميل، أقدم له النصيحة التي أراها في مصلحته، حتى لو لم تكن هذه النصيحة تحقق للمكتب عائدًا مباشرًا.
العميل عندما يشعر أن المستشار القانوني ينظر إلى مصلحته أولًا، تتكون علاقة طويلة الأجل، وهذه العلاقة هي التي تصنع اسم المكتب في النهاية.
كيف تقيمين تطور البيئة التشريعية للاستثمار في مصر؟
هناك محاولات حثيثة من الدولة لتطوير البيئة التشريعية، وبعض التشريعات الجديدة كانت جيدة ومتوافقة مع احتياجات الاستثمار والقطاع الخاص، لكن في المقابل هناك تشريعات كان من الأفضل مراجعتها بصورة أكثر دقة قبل إصدارها.
المشكلة ليست في إصدار قانون جديد لمجرد تحديث التشريع، وإنما في معرفة ما إذا كان التعديل سيحل مشكلة قائمة أم سيخلق مشكلات جديدة. وفي بعض الحالات شهدنا تعديلات متكررة على التشريع نفسه، وهو أمر يسبب حالة من عدم اليقين لدى المستثمر.
المستثمر يحتاج إلى قواعد واضحة ومستقرة يمكنه بناء قراراته عليها لسنوات، وليس إلى تشريعات تتغير بصورة متكررة.
ما أبرز عقبة قانونية وإجرائية أمام المستثمر حاليًا؟
في رأيي، تعدد جهات الولاية يمثل واحدة من أكبر العقبات. المستثمر لا يؤسس شركة فقط، وإنما يحتاج بعد ذلك إلى الحصول على عدد كبير من التراخيص والتصاريح والموافقات من جهات مختلفة.
قد يتعامل المستثمر مع هيئة التنمية الصناعية، والبيئة، والحماية المدنية، والتأمينات، والضرائب، وجهات أخرى بحسب طبيعة النشاط. وبالتالي، حتى لو كان تأسيس الشركة نفسه سريعًا، فإن تنفيذ المشروع على أرض الواقع يظل مرتبطًا بسلسلة طويلة من الإجراءات.
وهذا يؤدي إلى إهدار الوقت والمال والجهد، ويؤثر في دورة رأس المال، وقد يدفع بعض المستثمرين إلى اختيار دول أخرى تكون إجراءاتها أكثر سهولة.
هل الحل في الرخصة الذهبية؟
الرخصة الذهبية خطوة جيدة، لكنها لا تكفي وحدها إذا ظل المستثمر مضطرًا للتعامل مع جهات متعددة للحصول على باقي الموافقات.
نحتاج إلى توحيد الإجراءات قدر الإمكان، خصوصًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. المستثمر الذي يأتي لإنشاء مشروع صغير لا يمكن أن نطلب منه المرور على عدد كبير من الجهات ودفع رسوم وانتظار موافقات متعددة.
الأفضل هو إنشاء منظومة موحدة، بحيث يقدم المستثمر طلبه من خلال منصة واحدة، وتقوم الجهات الحكومية المختلفة بالتنسيق فيما بينها، بدلًا من أن يتحمل المستثمر هذا العبء.
أي الدول ترينها الأكثر تقدمًا في سهولة تأسيس المشروعات؟
الإمارات تأتي في مقدمة التجارب التي أراها ناجحة في هذا المجال، وهناك دول أخرى مثل المغرب وتونس لديها تجارب جيدة في بعض الجوانب. كما أن تركيا استطاعت بناء تجربة قوية في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
المقارنة هنا مهمة؛ لأن المستثمر لا يقارن مصر بنفسها، وإنما يقارنها بالدول التي يمكن أن يضع أمواله فيها. وبالتالي، إذا كانت الإجراءات في دولة أخرى أسرع وأبسط، فمن الطبيعي أن تؤثر هذه المقارنة في قرار الاستثمار.
وماذا عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟
هذا القطاع تحديدًا يمكن أن يمثل فرصة كبيرة جدًا لمصر. المشروعات الصغيرة والمتوسطة قادرة على زيادة الإنتاج المحلي، وخلق فرص العمل، ودعم الصادرات، وتوسيع قاعدة الصناعة.
لكننا نحتاج إلى بيئة تشريعية وإجرائية أكثر ملاءمة لها. لا يمكن أن نتعامل مع مشروع صغير بنفس الإجراءات والتعقيدات التي قد تناسب مشروعًا ضخمًا.
كما نحتاج إلى ربط الحوافز بالإنتاج والتصدير وتوطين الصناعة، خاصة في القطاعات التي تنتج مستلزمات الإنتاج والآلات والمعدات.
كيف تنظرين إلى تأثير سعر الصرف والتعويم على الاستثمار؟
التعويم في حد ذاته ليس المشكلة، لكنه علاج صعب تلجأ إليه الدولة عندما تكون هناك اختلالات في الاقتصاد وسوق النقد الأجنبي.
المشكلة الأساسية تظهر عندما يكون هناك نقص في العملة الأجنبية، بينما تعتمد قطاعات كبيرة على الاستيراد. في هذه الحالة، وجود سعر رسمي لا يعكس القيمة الحقيقية للعملة يؤدي إلى ظهور سوق موازية، ويصبح المستثمر غير قادر على بناء تسعير واضح لتكاليفه.
لذلك، استقرار سوق الصرف وتوفير العملة الأجنبية ووضوح آلية التسعير عوامل شديدة الأهمية بالنسبة للمستثمر.
في المقابل، ما الخطوات الإيجابية التي ترينها في الاقتصاد المصري؟
أرى أن البنك المركزي المصري قام بجهود كبيرة ومهمة خلال الفترة الأخيرة في استعادة قدر من الاستقرار في سوق الصرف. وجود سوق أكثر استقرارًا وغياب الفجوات الكبيرة التي شهدناها في فترات سابقة يساعد المستثمر على اتخاذ قراراته بصورة أفضل.
السوق يحتاج إلى الثقة قبل أي شيء، وكلما شعر المستثمر أن بإمكانه تدبير احتياجاته من العملة الأجنبية من خلال النظام المصرفي، أصبح أكثر قدرة على التخطيط والتوسع.
وماذا عن الأراضي الصناعية؟
نحتاج إلى زيادة طرح الأراضي الصناعية، لأن المستثمر لا يستطيع إنشاء مصنع دون أرض مرفقة ومستعدة لاستقبال النشاط.
وأرى أن الاعتماد بصورة أكبر على المطور الصناعي يمكن أن يخفف العبء عن الدولة. يحصل المطور على الأرض، ويتولى أعمال الترفيق، ثم يتيحها للمستثمرين، بما يسمح للدولة بالتركيز على دورها التنظيمي وتوفير البنية الأساسية الرئيسية.
كما أن توفير وحدات صناعية صغيرة جاهزة يمكن أن يساعد أصحاب المشروعات الصغيرة على بدء الإنتاج بتكلفة أقل.
ما المطلوب لتوطين الصناعة وتقليل فاتورة الاستيراد؟
يجب أن يكون هناك تركيز أكبر على إنتاج مستلزمات الإنتاج داخل مصر، وليس فقط تجميع المنتجات النهائية.
إذا نجحنا في تصنيع الآلات والمعدات والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج محليًا، سنقلل الضغط على العملة الأجنبية ونرفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد.
وأرى أن منح حوافز ضريبية وجمركية للمشروعات التي تدخل في هذه المجالات يمكن أن يكون عاملًا مهمًا، خاصة خلال السنوات الأولى من المشروع حتى يصل إلى مرحلة الإنتاج والاستقرار.
هناك بالفعل توجه حكومي نحو توطين الصناعة، وأرى أن هذا الاتجاه مهم ويحتاج إلى الاستمرار والتوسع.
وما أبرز القطاعات الجاذبة للاستثمار الأجنبي في مصر؟
عدة قطاعات إبرازها قطاع الغزل والنسيج من القطاعات الواعدة، خاصة مع وجود مزايا مرتبطة باتفاقيات التجارة التي تمنح المنتجات المصرية فرصًا في أسواق مهمة.
كما أن الاتفاقيات الدولية تمثل أداة قوية لجذب الاستثمارات. اتفاقيات منع الازدواج الضريبي، وحماية الاستثمارات، والتعاون الاقتصادي، والاتفاقيات التجارية يمكن أن تمنح المستثمر الأجنبي مزيدًا من الطمأنينة.
وأعتقد أن مصر تستطيع استغلال هذه الأدوات بصورة أكبر لجذب استثمارات من الدول التي تمتلك التكنولوجيا ورؤوس الأموال.
هل يمكن لمصر منافسة الإمارات وتركيا في جذب الاستثمارات؟
بالتأكيد يمكن، لكن المنافسة تحتاج إلى معالجة نقاط القوة التي تتمتع بها هذه الدول والإمارات لديها سهولة كبيرة في تأسيس الشركات والحصول على التراخيص، وتركيا نجحت في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتحويلها إلى قوة إنتاجية وتصديرية كبيرة.
مصر تمتلك سوقًا ضخمة وقاعدة صناعية وموقعًا جغرافيًا مميزًا، لكن المطلوب هو تحويل هذه المزايا إلى إجراءات عملية يشعر بها المستثمر منذ اللحظة الأولى.
المستثمر لا يريد فقط حوافز على الورق، وإنما يريد أن يجد إجراءات واضحة وسريعة، وتراخيص يمكن الحصول عليها بسهولة، وقواعد مستقرة، وضمانات تحمي استثماره.
وما رسالتك للحكومة خلال المرحلة المقبلة؟
أعتقد أن الأولوية يجب أن تكون لتبسيط الإجراءات وتوحيد جهات الولاية، خصوصًا في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الاستمرار في توطين الصناعة وزيادة طرح الأراضي الصناعية.
مصر لديها فرصة حقيقية لجذب استثمارات جديدة، لكن علينا أن نتعامل مع المستثمر باعتباره في منافسة عالمية، وأن نسأل دائمًا: لماذا يختار مصر بدلًا من الإمارات أو تركيا أو غيرهما؟
إذا استطعنا أن نجعل تأسيس المشروع وترخيصه وتشغيله أكثر سهولة، مع وجود تشريعات مستقرة وحوافز مرتبطة بالإنتاج والتصدير، فإن قدرة مصر على جذب الاستثمارات ستزداد بصورة كبيرة.
والهدف في النهاية ليس فقط جذب رأس المال، وإنما جذب استثمار منتج، ينشئ مصانع، ويوفر فرص عمل، ويزيد الصادرات، ويوطن التكنولوجيا، ويضيف قيمة حقيقية للاقتصاد المصري.







