شعر و أدب
أخر الأخبار

الشاعر د. ثروت عكاشة السنوسي يكتب: فوق الركام

(1)
ما كان داودُ
ليرفعَ فوقَ القدسِ
رايةَ قاتلْ
ولا كان لقلبِ نبيِّ
أن يقبلَ
أن يُدفنَ طفلا حيًا يُرزق
تحتَ رُكامِ مَنازِلْ
فأيٌ من نجمات داوود
تُطفِئُ في عينِ الأمِ
بقايا أمانْ؟
وأيُّ كتابٍ مقدسٍ
يستبيحُ دمَ الصغارِ
ويَتركُ فوقَ الحجارةِ
رائحةَ الموتِ والدخانِ
تطفيءُ كلّ حياة
(2)
هنا قدسُ الأقداسُ…
ليستْ.. حجارةَ صمتٍ
ولا خارطةُ طريقٍ متعرِّج
في دفاترِ غاراتٍ حمقاء
لنهرٍ يملأه الدم،
ودماءٌ ..
تمطرها سماءُ الحقد المُرِّ
بأكفِ التوراةِ
وبرحمةِ موسى
وغنيمةَ حربٍ
تُغضِبُ رب الكون
وفتاةَ القدسُ
يُوزَّعُ لحم الجسد الطاهر فيها
بين الساسةِ
ومدافعُ نيرانَ حمقى
تَهدُرُ فوق رُفاتِ الشهداء
وتصبُ على زوجاتٍ ثكلى
كل عذابْ..
يبغي فناءً بعد فناء
كي تعزفَ
فوق جراحٍِ قلوبٍ تبكي
ألف جنازةْ
بعد رثاءٍ يعقبُه رثاء
(3)

فانتبهوا
يا كل عوالم هذي الأرض،
يا قادة دول العالم أجمع،
أصحاب القلب الأشجع
يا شرفاء الصمت المدقع
تحت نيران بروزات النجمةِ
ذات الستِ رؤوس
القدسُ .. لا زالت تعرفُ
أبناء الحي الساكنِ حولَ المسجدْ
لا زالت تسمعُ جرسَ كنائسهَا،
وقبابُ الهيكلِ تحفظها
وتدركُ أنَّ ترابَ الساحةِ
إذا شربَ دمَاء أبناءها
أبدًا.. لن يصبحُ ملكًا لغزاةْ،
وأنَّ البيوتَ التي هُدِّمتْ
ستنهضُ يومًا
من بين ركامِ الحكيْ
وتكتبُ فوقَ جدارِ الصبر:
لسنا عبيدًا.. بُلَهاء..
ولن نموت سوى أحرار .
(4)
رأيتُ طفلاً
يحملُ مفتاحَ بيتٍ المقدس
فالطفل لم يعدْ له بيتْ،
ويحلمُ أن يرجعَ يومًا
إلى حضنِ أمّ
تنامُ على وعدِ عودتِه
ولا تموتْ بعيدا عنه.

وأمًّا .. تضمُّ صغيرَها
وتسألُ:
أيُّ ذنبٍ جناهُ الرضيع
كي يُصبِحَ الآنَ
رقمًا جديدًا على قائمةِ الموت؟

يا عالمًا أغلقَ البابَ
حين استغاثَتْ في غزة أمٌ
وطفل وطفلة وشيخ هرم،
أدرك كم وزّعَتم فوقَ الشاشاتِ
بياناتِ الحزنٍ الباردْ،
وشجبتم كثيرا جدًا
فوق شتات القلب الصخر
كي يستفيقَ ضميرُ العدل
ويعودُ بذات العدل..!
(5)
لسنا نريدُ خطبًا، دموعا،
ولولةً وصراخا وعويل..
نريدُ الوطن القدس يعودُ،
وطفلا يركض
بين الزيتون إلى مدرستهِ،
وأمًّا.. تعودُ إلى بيتِها آمنةً
لا يقتلها الجوع،
لا تحملُ نعشَ صغيرِ يقهرها
لا ترفع وجها
الى السماءَ لتشكو وتبكي
(6)
يا نجمةَ ذاك الموتِ..
لن تنتصري
حين تجعلينَ من الليلِ.. ليلينْ
وحطاما ودموع
وظل يصرخ حتى بذوغ الفجر ؛
فالحقُّ..
أقدمُ من رايةِ حربِ
يعلنها نبيّ يصنع سيف،
والقدسُ..
أقدمُ ممن يغتصبون بيان البينْ.
فالقدسُ لستَ قصيدةَ حزنٍ
نقرأُها،
وليستْ نشيدًا نرددهُ
في مهرجان للبكاء
ونواح الضعفاء وعويل الحمقى
ثم نعودُ بينَ الخوفِ
وشراكة نجمات داوود
كي نشرب في نهم
كل دماء القوم الجرحى.
فلا تتركوا البابَ مفتوحًا للغيابْ.
(7)
دعوا الطفل يقولُ للحجارةِ:
علّميني الصمودَ
إذا خانني السيفُ
والتعساء، في زمن الجمودْ
إذا خانني الأصحابْ والأمة،
ولتنبت السماءُ زيتونةٌ
اقتلعوا جذعَها
فأخرجتْ من ترابِ معجون بالدمِ
ألفَ جوابْ غير جواب الموت.
فالنجمةُ أبدا لن تحجبَ قمرًا
أو تغلق وجه الشمسَ،
ولا بنادقَ داوودَ..
تقدرُ أن تغتالَ الصبحْ،
وسيأتي صباحٌ دونَ دخانْ،
ويخرجُ طفلٌ .. من بين رُكام
يحمل دفترَهُ
ويكتبُ فوقَ سطورٍ أولى:
أنا صاحبُ بيت المقدس
والنجمةُ أبدا لن تقدر
أن تقتل يومًا إنسان..!
***
د. ثروت عكاشة السنوسي
عضو اتحاد كتاب مصر

زر الذهاب إلى الأعلى