الطقش المغربي وعلاقته المزعومة بالكنوز… بين الوهم والحقيقة
ضمن سلسلة: تفكيك الخرافات الشائعة
بقلم: عبد الحميد أحمد حمودة
في السنوات الأخيرة انتشرت بين بعض الناس مصطلحات غامضة تُستخدم في عالم السحر والدجل، ومن بينها ما يُسمى “الطقش المغربي”، والذي يُروَّج له على أنه نوع من البخور أو الطقوس الخاصة القادرة على كشف الكنوز المدفونة أو تسخير الجن لاستخراجها من باطن الأرض.
ومع كثرة تداوله في قصص وأسواق الشعوذة، صار البعض يظنه حقيقة ثابتة أو علمًا خفيًا، بينما لا توجد أدلة موثوقة تثبت ما يُنسب إليه من قدرات أو آثار خارقة.
ولا يوجد دليل علمي أو شرعي صحيح يثبت ما يُنسب إلى ما يسمى “الطقش المغربي” من قدرات على كشف الكنوز أو استحضار الجن أو فتح المراصد، وإنما هي دعاوى متناقلة يروج لها بعض الدجالين ومروجي الشعوذة دون برهان يمكن التحقق منه.
أما ربطه بالكنوز أو استحضار “حراس الأرض” أو الكشف عن الدفائن فهو من الادعاءات التي تفتقر إلى الدليل.
وقد بيّن الإسلام بوضوح أن علم الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن ما يُمارس من سحر أو ادعاء للتواصل مع الجن هو من المحرمات والكبائر.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102].
فالآية تؤكد أن السحر ليس علمًا مشروعًا، بل فتنة ووسيلة لإضلال الناس.
ومن طبيعة الشياطين أنها تسعى إلى إغواء البشر وجرّهم إلى المعاصي والضلال، وقد تستعمل لذلك أوهامًا وادعاءات وطقوسًا لا حقيقة لها، فتشغل الناس بالخرافات وتبعدهم عن الحق والأسباب المشروعة.
وقد ضرب الله تعالى مثالًا لذلك بقوله:
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: 16].
فالشياطين تدفع الإنسان إلى الباطل ثم تتبرأ منه بعد وقوعه في الضلال، ولهذا لا يُستبعد أن تكون كثير من الطقوس والممارسات المرتبطة بالسحر والكنوز وسيلة من وسائل الخداع والإغواء التي تُستغل لإفساد العقائد واستنزاف الأموال وإشغال الناس بالأوهام.
ولا تقف خطورة هذه الأوهام عند حدود الخداع المادي أو إضاعة الأموال، بل قد تتطور إلى مفاسد أكبر؛ إذ يبدأ الأمر عند بعض الناس بطقوس وبخور وأعمال يظنونها بسيطة، ثم ينتهي بهم الحال إلى الوقوع في محرمات شرعية أو ممارسات سحرية أو اعتقادات فاسدة، وقد شهد الواقع قصصًا انتهت إلى النزاعات والاعتداءات بل والقتل بسبب أوهام الكنوز والدفائن والصراع عليها.
وهذا من مقاصد الشيطان في إضلال الناس؛ إذ يجرّهم خطوة بعد خطوة حتى يقعوا في ما هو أعظم. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: 21].
وجود الكنوز أو الآثار المدفونة أمر قد يكون له أصل تاريخي، لكن الوصول إليها لا يكون عبر بخور أو طلاسم أو استحضار جن كما يُشاع، وإنما يتم بالبحث العلمي الأثري والوسائل المشروعة وتحت إشراف الجهات المختصة.
أما ما يُتداول من أن هناك بخورًا أو طقوسًا تُفتح بها الأرض أو تُجبر بها قوى خفية على إظهار الكنوز، فهو جزء من منظومة دجل تهدف إلى استغلال الناس ماديًا وإيهامهم بطرق سريعة للثراء.
ويُضاف إلى ذلك أن أصحاب هذه المزاعم لا يقدمون تفسيرًا مقنعًا لكيفية عمل هذه الطقوس أو سبب ارتباطها بالكنوز أصلًا، بل تختلف رواياتهم من شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر، وهو ما يزيد الشك في أصل هذه الادعاءات.
ويمكن أن يُسأل أصحاب هذه المزاعم: إذا كانت لديكم بالفعل وسيلة حقيقية ومضمونة لكشف الكنوز والدفائن، فلماذا لا تُثبتون ذلك بصورة موثقة وتحت إشراف الجهات المختصة أو المؤسسات الأثرية؟ ولماذا تبقى هذه الادعاءات محصورة في الروايات الشفهية والوعود الخاصة والبحث السري عن الثراء؟ فالعلم الحقيقي يمكن التحقق من نتائجه، أما الادعاءات التي لا تقوم إلا على الحكايات والقصص المتناقلة فتبقى مجرد دعاوى تحتاج إلى برهان.
ولا يعني بطلان هذه الطقوس والخرافات أن الجن يستحيل أن يعرف بعضهم شيئًا عن مكان قديم أو دفين؛ فمعرفة بعض الجن لبعض الأمور قد تقع بحكم المشاهدة أو طول البقاء في مكان معين أو تناقل الأخبار فيما بينهم، كما قد يعرف بعض البشر أمورًا يجهلها غيرهم.
لكن هذا لا علاقة له بما يزعمه الدجالون من أن بخورًا أو طقوسًا معينة تُجبر الجن على كشف الكنوز أو استخراجها.
ثم إن من يدّعي التواصل مع الجن أو الاعتماد على أخبارهم لا يملك وسيلة لمعرفة الصادق من الكاذب منهم، فكيف يُبنى على ذلك حكم أو تُدفع الأموال لأجله؟ وقد أخبر النبي ﷺ عن الشياطين التي كانت تسترق السمع ثم تخلط الحق بالباطل، فقال: «فيزيدون معها مائة كذبة» (صحيح البخاري).
ولهذا فإن أخبار الجن لا تصلح مصدرًا موثوقًا للمعرفة، ولا دليلًا يُعتمد عليه في البحث عن الكنوز أو الدفائن، لأن الكذب والخلط بالباطل واقع فيها بنص الحديث الشريف.
كما أن بعض المزاعم الشائعة تزعم أن الجن يحتاج إلى أنواع معينة من البخور أو الطقوس ليكشف الكنوز أو يدل عليها، مع أن هذه الدعوى تفتقر إلى أي دليل شرعي أو واقعي.
بل إن النصوص الشرعية تدل على أن بعض الجن يستطيعون الوصول إلى ما يحتاجون إليه أو إلى بعض ما يريدونه بقدر ما أذن الله لهم؛ فقد أخبر القرآن عن العفريت الذي قال لسليمان عليه السلام: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: 39].
كما أخبر عن الشياطين الذين كانوا يعملون في البناء والغوص لسليمان عليه السلام.
وثبت في السنة أن وفد الجن سألوا النبي ﷺ عن زادهم، فقال: «لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم» (صحيح مسلم).
وثبت كذلك في قصة أبي هريرة رضي الله عنه أن شيطانًا كان يأتي فيأخذ من طعام الصدقة حتى أمسكه أبو هريرة أكثر من مرة (صحيح البخاري).
فإذا كانت النصوص تدل على قدرة الجن على الوصول إلى ما جعله الله لهم من أرزاق ومنافع، فأين الدليل على أنهم يحتاجون إلى بخور مخصوص أو طقوس مبتدعة يطلبون من البشر القيام بها؟ ولهذا تبقى هذه المزاعم مجرد دعاوى لا تستند إلى برهان شرعي صحيح أو دليل يمكن التحقق منه.
ومع التطور الكبير في وسائل التواصل وسهولة الوصول إلى المعلومات، بقيت هذه الادعاءات تدور في دائرة الغموض والحكايات المتناقلة دون دليل يمكن التحقق منه أو نتائج ثابتة يمكن إثباتها، وهو ما يجعلها أقرب إلى الخرافة منها إلى المعرفة الحقيقية.
وقد حذّر النبي ﷺ من إتيان السحرة والكهنة، فقال: «من أتى عرّافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» [رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه عدد من أهل العلم].
وهذا يدل على خطورة تصديق هذه الادعاءات أو الانسياق خلفها.
وفي النهاية، فإن ما يُنسب إلى “الطقش المغربي” من قدرات على كشف الكنوز أو تسخير الجن لا يقوم على دليل علمي أو شرعي صحيح، وربط الكنوز والدفائن بهذه الطقوس هو من الدعاوى التي لم يثبتها برهان.
أما الاعتماد على السحرة والكهنة والدجالين في هذا الباب فهو باب من أبواب الخداع واستغلال الناس، ويظل الوعي والعقل والالتزام بالمنهج الشرعي الصحيح هو خط الدفاع الأول أمام هذه الأوهام التي أضاعت على كثير من الناس أموالهم وأوقاتهم وجهودهم، وربما أفسدت على بعضهم دينهم وعقائدهم قبل أن تضيع دنياهم.






