صدى مصرمقالاتمنوعات

العشاء الأخير. بقلم/ حسين عبيد

العشاء الأخير

 

بقلم/ حسين عبيد صحفي وباحث قانوني واقتصادى

هناك لحظات في حياة الإنسان، وفي حياة الأمم، تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تكون آخر فرصة قبل أن يتغير كل شيء. قد يكون اجتماعًا، أو قرارًا، أو كلمة قيلت في وقتٍ لم يدرك أحد أنها ستكون الأخيرة قبل بداية مرحلة جديدة.

ليس كل “عشاء أخير” يرتبط بحدث تاريخي أو ديني، بل قد يكون رمزًا لنهاية عهد، وسقوط فكرة، وبداية مرحلة جديدة تحمل ملامح مختلفة، وربما متناقضة.

ويبقى السؤال الذي يطرحه التاريخ قبل أن يطرحه الواقع: هل كل نهاية مؤلمة تُنجب بداية قوية؟ وهل تولد النهضة من قلب المحنة، أم أن المحنة وحدها لا تكفي؟

عندما انتهت الدولة الأموية وبدأت الدولة العباسية، لم يكن الأمر مجرد انتقال للحكم، بل انتقال لمركز الثقل الحضاري أيضًا. فقد أصبحت بغداد لاحقًا عاصمةً للعلم والفلسفة والطب والترجمة، وازدهرت فيها حركة المعرفة حتى غدت إحدى أعظم حواضر العالم. لكن هذا الازدهار لم يكن نتيجة حدث واحد، بل جاء نتيجة تراكم سياسات، ورعاية للعلم، واستقرار نسبي، واستثمار في الإنسان.

وكذلك عندما قضى محمد علي على نفوذ المماليك، لم تكن تلك الواقعة وحدها سببًا في نهضة مصر الحديثة، وإنما أعقبها مشروع واسع لإعادة بناء الجيش، وإنشاء المدارس، وإرسال البعثات العلمية، وتطوير الصناعة والإدارة. فالحدث السياسي كان بداية، أما النهضة الحقيقية فصنعها التعليم، والتنظيم، والإدارة.

وهنا يفرض التاريخ سؤالًا أكثر عمقًا: هل تصنع المحن المستحيل؟

ربما تكون الإجابة أن المحن لا تصنع المعجزات بذاتها، وإنما تكشف معادن الأمم. فهناك شعوب حولت الهزائم إلى نهضة، وأخرى حولت الانتصارات إلى بداية انحدار. والفرق لم يكن في حجم الأزمة، بل في حجم الوعي الذي واجهها.

إن غياب العلم والمعرفة، وإهمال قراءة التاريخ، وضياع الرؤية، وتمزق النسيج الاجتماعي بالصراعات الداخلية، هي مقدمات تتكرر في معظم قصص سقوط الدول. أما بناء الإنسان، واحترام القانون، والاستثمار في المعرفة، فهي السمات المشتركة في كل مشروع نهضوي حقيقي.

إن التاريخ لا يعلمنا أن الألم وحده يصنع المستقبل، بل يعلمنا أن المستقبل يصنعه من يفهم أسباب الألم، ويحولها إلى دروس، لا إلى ذكريات.

فقد تكون المائدة الأخيرة نهايةً لعهد، لكنها لا تصبح بدايةً لعهد جديد إلا إذا جلس على مائدته رجال ونساء يحملون العلم بدل الأحقاد، والرؤية بدل الانتقام، والعمل بدل الشعارات.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل تأتي النهضة بعد السقوط؟ بل: هل تعلمنا من أسباب السقوط ما يكفي حتى لا نكرر المشهد مرة أخرى؟

زر الذهاب إلى الأعلى