الغلاء يلتهم الدخول… وزيادات الرواتب لم تعد تكفي
بقلم: ممدوح عكاشة
لم يعد الحديث عن ارتفاع الأسعار مجرد شكوى عابرة يرددها المواطنون، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على كل بيت. فمع كل جولة جديدة من رفع الأسعار، تتراجع القدرة الشرائية للأسر، وتصبح الحياة أكثر صعوبة، بينما تظل الزيادات التي تُمنح للرواتب والمعاشات أقل بكثير من حجم الارتفاع الحقيقي في تكلفة المعيشة.
المواطن البسيط لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن الرفاهية، بل يريد فقط أن يعيش حياة كريمة، يستطيع من خلالها توفير احتياجات أسرته الأساسية من غذاء ودواء وتعليم ومواصلات، دون أن يجد نفسه مضطرًا للاستدانة أو التخلي عن ضروريات الحياة.
ولا شك أن الدولة تواجه تحديات اقتصادية داخلية وخارجية، لكن المواطن هو الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر. فكل زيادة في أسعار الوقود أو الكهرباء أو الخدمات تنعكس فورًا على أسعار السلع والمنتجات، لتتسع الفجوة بين الدخل والإنفاق، وتصبح الزيادات في الرواتب مجرد أرقام تذوب في موجة الغلاء قبل أن تصل إلى جيوب أصحابها.
إن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بمنح زيادة في المرتب من جهة، ثم امتصاصها بالكامل من خلال زيادات متتالية في الأسعار من جهة أخرى. فالهدف الحقيقي من أي زيادة في الأجور يجب أن يكون تحسين مستوى معيشة المواطن، لا مجرد تعويض جزء بسيط من خسائره أمام التضخم.
كما أن استمرار ارتفاع الأسعار دون رقابة صارمة على الأسواق يفتح الباب أمام بعض التجار لاستغلال الظروف وتحقيق أرباح مبالغ فيها، وهو ما يستدعي تشديد الرقابة وتفعيل القوانين الرادعة ضد الاحتكار والمغالاة غير المبررة.
إن المرحلة الحالية تتطلب إعادة النظر في سياسات الأجور وربطها بمعدلات التضخم الحقيقية، بحيث يشعر المواطن بأن دخله يواكب تكاليف الحياة، مع التوسع في دعم الفئات الأكثر احتياجًا، وزيادة المعروض من السلع الأساسية، وتشجيع الإنتاج المحلي للحد من الاعتماد على الاستيراد.
وفي النهاية، يبقى المواطن هو أساس أي عملية تنمية، وإذا كانت الدولة تسعى إلى بناء مستقبل أفضل، فإن هذا المستقبل يبدأ من الحفاظ على قدرة المواطن على العيش بكرامة. فاستقرار المجتمع لا يتحقق بالأرقام والإحصاءات وحدها، وإنما بشعور الناس بأن ثمرة الإصلاح الاقتصادي تنعكس على حياتهم اليومية، وأن دخلهم يكفي احتياجاتهم الأساسية، لا أن يظل الغلاء يسبق كل زيادة، ويبتلعها قبل أن يشعروا بها.






