الفيلسوف الذي يبصق في وجه الوجود… وسرق منه دانتي المفتاح!
بقلم: عبد المجيد عبوبي
شفرة المعري ليست مجرد أسلوب؛ إنها تمرّد صارم. في عزلة “سجونه الثلاثة”، حوّل أبو العلاء جسده وبيته إلى ساحة لما يسميه ميشيل فوكو “تقنيات الذات”—انتزاعٌ كامل للسيادة الفردية بعيداً عن إكراهات المجتمع والمؤسسة الدينية.
في “رسالة الغفران”، بنى المعري صرحاً تهكمياً يُدخل فيه الجنة شعراء جاهليين ومشركين كـ امرئ القيس، والأعشى، وعنترة بن شداد. هذا الفضاء المغاير كان الملهم المضمر لـ “الكوميديا الإلهية”؛ غير أن دانتي—كما كشف إدوارد سعيد—تجاهل المعري تماماً وطرد الشرق من جنته ليبني منظومته الغربية الخاصة، وهو ما جعل الاستشراق التقليدي (مثل آسين بلاثيوس) يتلقى المعري كصانع للمتخيل الأخروي، بينما قرأه الاستشراق الحديث كفيلسوف وجودي ورائد للحرية الفكرية.
بين شك المعري المنهجي، ورفضه للإنجاب، ونظرته للتراب كـ “أديم للموتى”، رأى فيه طه حسين مرآة لذاته؛ فقد أحبه العميد لأنه وجد فيه شبيهه في محنة العمى، وشريكه في شجاعة الشك وتفكيك التراث، وثائراً أعزل صرخ في وجه التاريخ بأن العقل وحده هو الإمام الحقيقي.








