فترة تراجع كواكب عطارد والزهرة وزحل، ومعظم الكواكب المؤثرة، توحي بأن هناك أناسًا من الماضي راجعين، فاتحين قلوبهم، أو أن هناك دروسًا يريد الكون أن يعيدها إلينا ليختبرنا: هل تعلمناها، أم يَرُدُّها إلينا بصيغة أخرى؟
كانت هذه أبرز الأنباء الفلكية في توقيتات زمنية من السنة…
أما بعد،
جرت في النهر مياه كثيرة، وأبو علامة أو ذات الشامة يريدان الرجوع إلى عالمٍ – فضّلا أن يبقيا خارجه –..
ليستردا مكانتهما، ولتطمئن دواخلهما إلى أن أحدًا لم يمس أرضهما،
وأنهما هما التائبان عن ذنب لم يرتكبا، وربما يرغبان في تضميد ذات الجرح لقلب مزقاه قليلًا بجرح آخر.!!! وعلينا أن نضيء الشموع ابتهاجًا بعودة ما وأده القدر.!!
وهنا تطل أسئلة كثيرة بل وخزات من الألم اعتصرها القلب..
هل الإنسان مجبور على أن يبتلع غدر الدنيا؟
وهل توجد محطة يلتقي فيها الأمان مع الخذلان؟
هل يستطيع من جَرَّبَ محنة الهجران أن يستعيد ما كان يشعر به؟
وفي غفلة من هذا التساؤل،
تصيح الهواتف بالرسائل والاتصالات، وينطلق الملأ: معلنين “إننا عائدون رجالاً ونساءً.. إننا حسن الختام”،
ثم نسمع من داخلنا صوت شيءٍ ينكسر.
هل جاؤوا معهم بذلك الزمان، وتلك المشاعر، ولهفة اللقاءات؟ أم أتوا منفردين، عُزَّلاً، يحملون أنفسهم العطبة وطباعهم البائدة؟ وغطرستهم المزيفة ولسانهم المسموم؟
بالطبع لا.
فكثيرًا ما يكون الرجوع رغبة في استرداد لقب السلطان في حياة مزّقها إربًا،
أو ربما مازالت تهوى كرسي الأميرات في بقايا قلبٍ أنهكه النكد.أو ربما فشلت علاقاتهم الأخرى فتذكروا الحبيب القديم كـ “منطقة أمان” مضمونة كانوا يمتلكونها يومًا ما.. أو لرغبة محمومة في السيطرة، والتملك، بدافع الغرور المجروح.
ويعلو صوت ضحكات على الاطلال المنكوبة
فكم هي لحظاتٌ من العبثِ
أن تُعرّي ظهرك لشخصٍ طعنك لمراتٍ فيطعنك مرةً أخرى،
أو تشتاق لمذاق غلاظة كلماتٍ قيلت تحت ظل ليلٍ كان يُقاس بالشعور.
أو نبدأ النهار بذاك الاستفزاز وعشق الإحباط، والعودة لقراءة وتحليل ثقافة “لوْي البوز”؟
أو أو أو أو ممن كان يعذبنا..
إن الآلام لا تسعها قوالب الألفاظ لتصف حجم الخيبة..
يُقال إن الحياة دائرة، وإن كل شيء يعود.
لكن هذا الافتراض يتجاهل شيئًا مهمًا: الوعي لا يعود كما كان، حتى لو عاد الحدث نفسه.
فالإدراك تبدل..
فلم نعد نملك رغبة في الكلام الطويل القديم الذي اعتادوا عليه، ولا في الخصام المزيف الذي اصطنعوه ليزكوا أنفسهم بالغرور.
ولا نملك جهدًا في الدفاع عن أنفسنا أو أن نرهق أرواحنا بمحاولة التبرير.
ولا يعنينا إن عاد الود أو لم يعد.
فقد تجاوزنا تلك المرحلة التي كنا نقاتل فيها لأجل الآخر في كل شيء…
تجاوزنا التعلق المرضي والحب الأعمى…
تجاوزنا أن تكون أنت أو لا حياة ولا عمر…
تجاوزنا الخوف من أن نبدأ يومًا لا نراكم فيه…
تجاوزنا القلق من أن هالتكم هي مصدر طاقتنا…
نعم…
قد تجاوزناكم.
اليوم نحن في مكان مختلف تمامًا…
مكان أكثر هدوءًا ونضجًا.
لا يشغلنا ما قيل عنا، ولا كيف يرانا الناس، ولا ماذا ظنوا بنا. يكفينا أننا ترضى بأنفسنا،
وعاد إلينا كرسي السلطان وأريكة الملكات.
فرِجوعُ الآخر أبداً ما كان فرصة، حتى لو انتهت الحياة بين الجدران،
ولا هى لحظة انتصار زائفة يوهمنا بها الزمن.
أيها العائد..
تألم أنت كما تشاء، واندم أنت كما تريد، واذهب وابدأ دائرتك، واتكئ تحت ظل أشجارٍ أخرى…
أما نحن، فلا نهوى الرجوع، .
فما بقي من العمر لم يعد لكم.
وأما الروح فلا تهوى أن تعيش على زادها البائت من الأحلام..
والجسد قد توضأ من أنفاسكم… فعادت قدسيته”.
بعض الأشياء لا تُستعاد، ولا ينبغي لها أن تُستعاد…وكيف، فكم كانت خطواتنا إليكم أكثر العذابات وضوحًا في تاريخ البشرية!
ارتدوا كما كنتم:
فكل حبٍّ مُنِحَ لكم هو ملكُكم إلى الأبد،
لن نطلبه يومًا، ولن نندم عليه،
بل كان هباءً منثورًا.
ولكل قلبٍ ذاق الهجر:
حتى لو باغتتك الوحدة، أو أظلمت بك الحياة، لا تَعُد لشخصٍ آذاك ولو كان هو خيارك الوحيد؛ فقد يؤذيك مجددًا وربما يحطمك مرةً أخرى، فإحساس التيه يتفاقم بقربه..
والحقيقة: أنك أفضل بدونه.
واحذر، فأحيانًا يبلغ التعب من الروح مبلغًا لا تجدي معه عزلة ولا سفر، ولا تحييه عودة باطلة؛ فأثقل ما نحمله هو في داخلنا، ولا مهرب للمرء من نفسه.
وانتظر…
ربما يلتقطك شخصٌ حنون لا يجرؤ على ضياعك من يديه، لتكون أنتَ كُلَّ الأشياء في قلبه، ولا ينتظر خسارتك ليدرك كم تحييه أنفاسُك.
أيها القارئ،
يبدو لي أن وجهًا قد قفز إلى مخيلتك وأنت تتلو كلماتي… ففكر قبل أن تحكم.
هذا رأي شخصي، وليس بالضرورة فكرًا تتبناه؛ فلكلٍّ حكايته، ولكل إنسان ميزانه.
فهناك — على الجانب الآخر — وجهٌ مضيء للماضي؛ لعلاقات الحب العذري والارتباط الروحي التي لم تنهكها الصراعات، ولم تغتلها أمراض النفوس، بل أوقفتها يد القدر قسرًا بسفرٍ، أو فقدٍ، أو جدارٍ من الظروف القهرية..
وهنا فقط يدور الزمن، لتبدأ الحكاية من النقطة التي ظن الجميع أنها خط النهاية.
أنك لم تُخلق للخلود،
وما كانت قصتك نقشًا على حجر..
وأنا لستُ ما أَبْقَيْتَها..
وأنت كل ما ضاع.









