المجتمع الذي تسود فيه الثقة والصدق
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن المجتمع الذي تسود فيه الثقة والصدق والعدل وإحترام الحقوق يكون أقدر على التعاون، وأقل عرضة للنزاع وإهدار الطاقات، فالأخلاق عنصر من عناصر القوة ذاتها لأنها تمنح المجتمع الثقة التي تجمع طاقاته وتوجهها نحو البناء، وتأتي القوة العسكرية في منظومة القوة لحماية الوطن وأمنه وسلامة أهله ومقدراته، وهي في التصور الإسلامي قوة منضبطة بالعدل، لا وسيلة للعدوان، فالمقصود من القوة حماية الأمن ورد العدوان وصيانة السلم، وقد جعل القرآن الأمن من أعظم النعم، فقال سبحانه ” الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ” ودعا إبراهيم عليه السلام ” رب اجعل هذا بلدا آمنا ” وجاءت السنة مؤكدة عظم نعمة الأمن وحماية الإنسان، ومن المهم في هذا السياق التمييز بين الإعداد المشروع للقوة وبين العدوان، فالقوة التي تحمي الحدود.
وتصون الأرواح وتحفظ مقدرات الوطن وترد الاعتداء، إنما تؤدي وظيفة حفظ الأمن والإستقرار، وتتجلى قيمة القوة حين تنزل الأزمات وتشتد التحديات، فالقوة في هذه اللحظات هي القدرة على حسن التقدير، وسرعة الاستجابة، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى حلول نافعة، مع الثبات وعدم الاستسلام لليأس، وجاءت السنة النبوية لتجمع بين الأخذ بالأسباب، والإستعانة بالله، وعدم الإستسلام للعجز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” احرص علي ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ” رواه مسلم، وفي قصة الأعرابي الذي ترك ناقته دون عقال قال له النبي صلى الله عليه وسلم ” اعقلها وتوكل ” فالتوكل الصحيح لا يلغي التدبير، والإيمان بالقضاء لا يعني ترك الأسباب، وقال صلى الله عليه وسلم ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ”
لأن المؤمن يتعامل مع الشدة بالصبر، ومع النعمة بالشكر، ويبحث في كل ظرف عن طريق العمل والإصلاح، وقد قدمت السنة كذلك نموذجا مبكرا لإدارة الأزمات الصحية، بما يقرر مسؤولية المجتمع في الحد من إنتشار الوباء، كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم مكانة الخبرة في شؤون الحياة بقوله في مسألة تأبير النخل ” أنتم اعلم بأمر دنياكم ” وهو أصل في الإستفادة من أهل الإختصاص فيما يحتاج إلى معرفة وتجربة، ولا تبنى الحضارات بعنصر واحد، ولا تستمر بقوة منفردة فالعلم ينتج المعرفة، والإقتصاد يحولها إلى إنتاج، والأخلاق تضبط إستخدامها، والمؤسسات تنظمها، والقوة تحمي منجزاتها، فالقوة الرشيدة تقوم على التوازن والتعاون، لا على تضخيم جانب وإهمال بقية الجوانب، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الحقيقة بقوله.
” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ” وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا بليغا في المسؤولية المشتركة، فسلامة المجتمع لا تتحقق إذا قام كل قطاع بمعزل عن غيره، وإنما حين يدرك كل فرد ومؤسسة أن ما يصنعه يؤثر في البناء كله، ويظهر هذا التكامل بوضوح في التجربة النبوية في المدينة، فلم يكن بناء المجتمع مشروعا في جانب واحد، بل تكاملت فيه عناصر متعددة فكان المسجد مركزا للعبادة والتعليم والتوجيه، ونظمت الحياة الاقتصادية، وقامت المؤاخاة على التماسك والتكافل، ونظمت صحيفة المدينة العلاقات بين مكونات المجتمع، وأُخذت أسباب الحماية والدفاع، فاجتمعت التربية والعلم، والاقتصاد والمجتمع، والتنظيم والأمن، في بناء واحد يخدم الإنسان ويحفظ استقرار المجتمع.








