الإنسان هو حامل القوة ووسيلتها
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن القوة البشرية طاقات مؤهلة، وعقول متعلمة، وأيدي عاملة، ونفوس مسؤولة، وإذا كان الإنسان هو حامل القوة ووسيلتها، فإن العلم هو الذي يمنح هذه القوة بصيرتها وقدرتها على صناعة الحلول ولذلك جاء الأمر بالعلم في القرآن مقرونا بالجد والإجتهاد، فقال تعالى ” يا يحيي خذ الكتاب بقوة ” وقد فسرها المفسرون بالجد في الأخذ به، والعزم على القيام بحقه، فالمعرفة في التصور الإسلامي ليست ترفا فكريا، وإنما مسؤولية تقتضي التحصيل والعمل والإتقان، وقد جعل القرآن القراءة والعلم من مفاتيح النهضة، فكان أول خطاب للوحي ” اقرأ باسم ربك الذي خلق ” فالعلم رفعة للفرد، وسبب لقوة المجتمع، وأداة لاكتشاف ما أودع الله في الكون من سنن وطاقات، وجاءت السنة لتجعل طلب العلم طريقا إلى الخير، ولم تقف عناية المسلمين عند تحصيل المعرفة.
بل إمتدت إلى إنتاجها وتطويرها، فبرز الخوارزمي في الرياضيات، وابن الهيثم في البصريات والمنهج التجريبي، وجابر بن حيان في الكيمياء، وغيرهم ممن أسهموا في تراكم المعرفة الإنسانية، ومن هنا فالمطلوب ليس أن تكون الأمة مستهلكة لما ينتجه الآخرون، بل يجب عليها الإجتهاد والإضافة والإبتكار، وكما أن جانب من قوة المجتمع ما يملكه من ثروات، وإنما تكتمل هذه القوة بحسن إدارتها وتنميتها وتحويلها إلى إنتاج نافع، فالمال في المنظور الإسلامي وسيلة لقوام الحياة، فالإسلام لا يدعو إلى تعطيل الموارد، بل إلى السعي والعمل وحسن الانتفاع بما أودع الله في الأرض، مع النهي عن الإسراف والتبذير، وتقدم قصة يوسف عليه السلام نموذجا بليغا في التخطيط الإقتصادي وحسن إدارة الموارد، حين وضع خطة لمواجهة سنوات القحط.
” تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله ” فالقوة الاقتصادية تبدأ من إستشراف المستقبل، وحسن التدبير في أوقات الرخاء، والاستعداد لأوقات الشدة، وفي السنة النبوية إشادة بالعمل والإنتاج وإستثمار الموارد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ” رواه أحمد، وقال صلى الله عليه وسلم ” اليد العليا خير من اليد السلفى ” وفي سيرة الصحابة صور عملية لذلك، فقد قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد الهجرة ” دلوني على السوق” وإختار طريق العمل والكسب، وإن إستثمار الأرض، وتنمية الصناعة والزراعة، وترشيد الإستهلاك وحماية الموارد، وتشجيع المشروعات والإنتاج المحلي، كلها صور من الإعداد الذي يحول الموارد من إمكانات كامنة إلى قوة حقيقية.
وإذا كانت الموارد تصنع جانبا من قدرة المجتمع، فإن الأخلاق هي التي تضبط هذه القدرة وتبني الثقة بين أفراده ومؤسساته ولذلك كانت الأخلاق في الرسالة النبوية أصلا من أصول الإصلاح، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ” رواه أحمد، وقال ” أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ” رواه أبو داود، وقال ” ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ” رواه الترمذي، فالأمانة والصدق والعدل والوفاء مقومات لإستقرار المجتمع وإزدهاره، وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني قبل البعثة حتى عُرف بين قومه بالأمين، ثم ظهرت آثارها في دعوته ومعاملاته، فعندما وصف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه الإسلام أمام النجاشي ذكر الصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار.
وفي حديث هرقل مع أبي سفيان جاء السؤال عن أخلاق النبي صلي الله عليه وسلم وأوامره، ومنها الصدق والعفاف والصلة ” رواه البخاري، فكان السلوك الأخلاقي جزءا من القوة التي تحمل الرسالة وتقنع الناس بها، وتتسع القوة الأخلاقية لتشمل إحترام الإنسان والتعايش، والعدل، وحفظ الحقوق، فقال تعالى ” وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا “








