المعاني السخية في قصيدة الله جارك إن دمعي جاري / زيد الطهراوي
المعاني السخية في قصيدة الله جارك إن دمعي جاري / زيد الطهراوي

المعاني السخية في قصيدة الله جارك إن دمعي جاري / زيد الطهراوي
كتب ابن نباتة هذه القصيدة بعد فقده ابنه و قد فقد أبناءه من قبل و تأمل أن يحيا هذا الطفل و لكنه لحق بإخوته و هو يقرر في هذه القصيدة المعاني التي عاش عليها و أثرت فيه حتى مماته
فقول الشاعر :
الله جارك إنَّ دمعيَ جاري
يا موحشَ الأوطان والأوطار
الله جارك : يفيد أن الأطفال بمجرد موتهم يُنقلون إلى الجنة ، وأن أرواحهم تتنعم فيها في رعاية أبينا إبراهيم عليه السلام و لذلك قال :
لما سكنت من التراب حديقة
فاضت عليك العينُ بالأنهار
فالشاعر مطمئن إلى أن ابنه في حدائق الجنة و هذا ما يجعله صابراً ثابتاً و العين إذا فاضت بالدموع فهذا دليل على رحمة الآباء بالأبناء تلك الرحمة التي غرسها الله في قلب الوالدين
و يقارن الشاعر بين حاله و حال ابنه فابنه في غرف الجنان أما هو ففي النار التي هي شدة حرقته على ابنه المفقود فيقول :
شتان ما حالي وحالك أنت في
غرفِ الجنان ومهجتي في النار
و قد أشار النقاد إلى أن ولع الشاعر بالبلاغة قاده إلى المقابلة بين الجنة و النار في حاله و حال ابنه و هذه المقابلة و إن كانت قد لفتت الانتباه إلا أنها قد أثرت على المعنى تأثيرا كبيرا فالجنة هي مصير المؤمنين و النار هي مصير الكافرين و الشاعر ليس كافرا و الظاهر أن في البيت تورية و هي التي يتقنها شاعرنا فالنار هنا ليست نار الآخرة بل هي نار الدنيا فشبه الحرقة التي ألمَّت به بالآلام التي يتعرض لها من أحرقته نار الدنيا ثم يقول مخاطباً ابنه :
خفّ النجا بك يا بنيّ إلى السرى
فسبقتني وثقلتُ بالأوزار
فيلفت انتباهنا إلى أن من مات على الهدى فقد فاز و سبق غيره إلى الجنة و أما من بقي في هذه الدنيا فهو في حالة جهاد مستمر ؛ يجاهد النفس الأمارة بالسوء و يجاهد الشيطان الذي يسعى جاهدا لإبعاده عن الصراط المستقيم و يجاهد الدنيا التي تلتف حوله بمغرياتها كالأفعى لتصرفه عن العمل الصالح الذي يقوده إلى نعيم الآخرة فيخشى الحي أن تثقله الذنوب فتدخله النار فالحياة ابتلاء و ليست رحلة ترفيهية و هذا المعنى من أجمل المعاني التي أتحفنا بها شاعرنا المبدع
و نرى أبياتاً تمنى فيها الشاعر لو أن القدر أخذه مع ابنه و قد نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن تمني الموت و لكن الشاعر مفجوع فربما قال هذا و هو في حالة من الذهول فالشاعر قد نال ثقافة دينية واسعة مع اهتمامه بالشعر و الأدب ثم يقول الشاعر الفقيه :
قالوا صغير قلت إنَّ وربما
كانت به الحسرات غير صغار
وأحقّ بالأحزان ماض لم يسئ
بيدٍ ولا لسنٍ ولا إضمار
لقد عاتبوه على بكائه على طفل صغير فمن عادة الناس أن يبكوا كثيرا على من مات و هو كبير أكثر من بكائهم على الصغار و لكن الشاعر يوضح لهم أن الأمر عنده مختلف فالصغير الذي مات قبل أن يسيء إلى أحد أحق من أن يُبكى عليه من الكبير الذي قد يسيء بضرب أو غيبة و نميمة أو حقد و هو هنا يؤكد حقيقة لا يُتفطن لها كثيرا و هي أن العبادات كالصلاة مهمة جدا و حسن الخلق مع الناس مهم أيضاً و يحاسب العبد عليه كما يحاسب على الصلاة
و يسرد الشاعر أبياتاً جميلة في شدة تعلقه بابنه و تلهفه عليه ثم يخاطبه قائلا :
أبنيّ إن تكسَ التراب فإنه
غايات أجمعنا وليس بعار
ما في زمانك ما يسّر مؤملاً
فاذهب كما ذهب الخيال الساري
هذا التراب أصبح لباساً لك يا بني فلا تحزن فكلنا مع الموت على موعد و الموت ليس عارا فهو من أقدار الله فالله تعالى حكيم أراد لعباد الموت ليستقبلوا الحياة الخالدة في جنات النعيم ثم إن هذه الحياة الدنيا مليئة بالهموم و الأحزان و عندما غادرتها كأنك خيال غادرت التعب و القلق إلى الراحة و الأمان و يبدو أن الشاعر يستحضر هنا الحديث النبوي : ( عن أبي قتادة بن ربعي أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فقال مستريح ومستراح منه قالوا يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه فقال العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب )
و يخبر الشاعر ابنه بأنه حزين و كثير البكاء و أن هذا الابن لو رآه لبكى و هنا يبالغ الشاعر فالدار الآخرة غيب و لكن قصده هو التنبيه إلى حزنه على ابنه ثم يقول الشاعر :
أبنيّ إني قد كنزتك في الثرى
فانفع أباك بساعة الإقتار
و هذا المعنى جميل و مؤثر فالشاعر يخبئ ابنه في القبر و كأنه كنز و الكنز ينفع صاحبه في الضيق و الفقر و لكن كنز الشاعر هو ابنه الذي سينفعه يوم القيامة و يبدو أن الشاعر استحضر الأحاديث التي تبشر الصابرين على فقد أبنائهم و من ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم : ( إذا مات ولدٌ لعبدٍ قال اللهُ عزَّ وجلَّ لملائكتِه قبضتم ولدَ عبدي فيقولون نعم فيقولُ قبضتم ثمرةَ فؤادِه فيقولون نعم فيقولُ ماذا قال عبدي فيقولون حمَدك واسترجع فيقولُ ابنُوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوه بيتَ الحمدِ )
و استمر الشاعر في ذكر حزنه و سهره و كأن الليل مغروس بمسمار ثم خاطب ابنه قائلا :
إن تسقني في الحشر شربة كوثرٍ
فلقد سقتك مدامعي بغزار
لقد سقتك دموعي الغزيرة يا بني و هذا يدل على شدة ارتباطي بك و ستسقني يا بني شربة كوثر و المعروف أن النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي سيسقي المؤمنين – الذين تمسكوا بكتاب الله و سنة النبي – شربة لا يظمؤون بعدها أبدها و لكن مراد الشاعر هو أن الابن يكون سبباً في نيل أبيه هذا النعيم فصبر الأب على الفقدان هو طاعة لله تبارك و تعالى يستحق بها التكريم في الآخرة
و يذكرنا الشاعر بأن كل النفوس و الجسوم معرضة للموت و القبر فالناس معرضون للأخطار فالحساب سيكون على الأعمال و خيول الموت ستطأ الصغير و الكبير المسن و لن ينجو في الآخرة إلا من آمن و عمل صالحا فقال شاعرنا :
قل للذين تقدمت أمثالهم
أين الفرار ولات حين فرار
ما بين أشهبَ للظلام معاود
ركضاً وأدهم للدجى كرار
يطأ الصغير ومن يعمر يلتحق
وعليه من شيبٍ كنقع غبار
و يقرر الشاعر بعد ذلك حقيقة عميقة و هي أن الشهب و النجوم و الكواكب لا تؤثر في الكون بل هي مخلوقات خلقها الله بقدرته و قد تتعرض للخسوف و الكسوف و الهلاك
فقال :
مالي وعتب الشهب في تقديرها
ولقد تصاب الشهب بالأقدار
لا عقرب الفلك اللسوب من الردى
ينجو ولا أسد البروج الضاري
يرمي الهلال بقوسه أرواحنا
ولقد يصاب القوس بالأوتار
كتب الفناء على الشواهد حجة
غنيت عن الإقرار والإنكار
فلتظهر الفطن الثواقب عجزها
فظهوره سر من الأسرار
ثم قال بعد ذلك مباشرة :
وليصطبر متفجع فلربما
فقد المنى ومثوبة الصبَّار
الأمر كله لله إذن و كل شيء يحدث بأمره فليذعن العبد المفجوع بأحبائه لله تعالى و ليوقن بحكمته سبحانه و رأفته بالعباد و الشاعر هنا يصبر نفسه و يصبر إخوانه المؤمنين
ثم يتذكر الأقوياء من الخلق و كيف زالوا و دخلوا إلى القبر و لم تنفعهم قوتهم مع أنها كالجبال و يتذكر الفرسان المناضلين بقسيهم ( و القسيُّ : جمع قوس) كيف ماتوا و ربما سلموا من الحرب مع أن الغالب هو قتلهم فيها فماتوا على فراشهم بقدرة الله و يتذكر كذلك الأطفال في المهود و كأنهم الأزهار في الأكمام كيف ماتوا و كأنهم الدر الذي يسكن مع حجارة القبور فيصبحان شيئا واحدا
أين الملوك الرافلون إلى العلى
عثروا إلى الأجداث أيّ عثار
كانوا جبالاً لا ترام فأصبحوا
بيد الردى حفنات تربٍ هار
أينَ الكماةُ إذ العجاجة أظلمت
قدَحوا القسيّ وناضلوا بشرار
سلموا على عطب الوغى ودجى بهم
داجي المنون إلى محل بوار
أين الأصاغر في المهود كأنما
ضمت كمائمها على أزهار
خلط الحمام عظامهم ولحومهم
حتى تساوى الدّرّ بالأحجار
و في نهاية القصيدة يظهر صبره و تجلده و أنه يأخذ العبرة من الجموع الكثيرة التي ماتت فيتصبر و لكن إن حزن و بكى فله عذر بأنه عبد ضعيف و قد نهانا الله عز و جل و رسوله صلى الله عليه و سلم عن الجزع فجزع الشاعر هذا ليس اعتراضاً على أقدار الله و لكنهزمشاعر طبيعية ألمَّت به بسبب تعلقه بابنه و لكنه قاوم هذا الجزع و تخلق بالصبر الجميل الذي لا جزع فيه و لا شكوى
فلئن صبرت ففي الألى متصبرٌ
ولئن بدا جزعي فعن أعذار
ثم يدعو الله بأن يرضع الفقيد من قطرات الغمام و أن يجعل النجوم تحرسه و هو في قرارته يعلم أن هذا كله لا ينفعه و لا ينفع ابنه فإن النافع هو الله وحده و لكنه يسلي النفس
درّت عليك من الغمام مراضعٌ
وتكنفتك من النجوم جوار
تسقي ثراك وليس ذاك بنافعي
لكن أغالط مهجتي وأداري
–





