مقالاتمنوعات

المعلم بين مطرقة سلوك الطلاب وسندان تدخل أولياء الأمور

أزمة التعليم الحقيقية

المعلم بين مطرقة سلوك الطلاب وسندان تدخل أولياء الأمور:

أزمة التعليم الحقيقية

 

بقلم د. يسرى حامد
 
لم يعد التحدي الأكبر الذي يواجه المعلم اليوم يكمن في فك طلاسم المناهج الدراسية أو تبسيط النظريات العلمية المعقدة، بل باتت الأزمة الحقيقية تتجلى في إدارة السلوكيات المتمردة داخل الفصول، ومواجهة التدخلات غير التربوية من بعض أولياء الأمور. هذا التحول الخطير جعل مهنة التعليم تستنزف طاقة المعلم النفسية والجسدية، ليجد نفسه محارباً في جبهة الأخلاق والانضباط أكثر من كونه مرشداً في ساحة العلم والمعرفة.

تغيّر سلوكيات الطلاب: غياب الهيبة داخل الصف

في الماضي، كانت هيبة المعلم جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية، وكان الاحترام متبادلاً بالفطرة. أما اليوم، فيشكو الكثير من التربويين من تراجع ملحوظ في الانضباط السلوكي للطلاب، والذي يظهر في صور متعددة:

التشتت الدائم: بسبب الإفراط في استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، مما أضعف قدرة الطالب على التركيز والاستماع.

التمرد واللامبالاة: حيث يواجه بعض الطلاب توجيهات المعلم بالرفض أو السخرية، مما يعيق سير الحصة الدراسية.

تراجع الدافعية للتعلم: واعتبار المدرسة مجرد عبء يومي وليس مكاناً لبناء المستقبل.

هذه السلوكيات تفرض على المعلم بذل مجهود مضاعف للحفاظ على النظام، وهو مجهود يقتطع من وقت الشرح الفعلي ويقلل من جودة التعليم الممنوحة للطلاب المستعدين للتعلم.

تدخل أولياء الأمور: من الشراكة إلى الهجوم

إن الشراكة بين البيت والمدرسة هي أساس نجاح أي منظومة تعليمية، لكن هذه الشراكة انحرفت في السنوات الأخيرة عن مسارها الصحيح. أصبح المعلم يعاني من نمط جديد من أولياء الأمور الذين يمارسون “الحماية المفرطة” لأبنائهم، وتتجلى هذه المعاناة في:

الدفاع الأعمى عن خطأ الطالب: حيث يرفض ولي الأمر تقبّل أي نقد لسلوك ابنه، ويلقي باللوم دائماً على المعلم أو المدرسة.

التدخل في تفاصيل التدريس والتقييم: وتوجيه الاتهامات للمعلم بالتحيز أو التقصير لمجرد أن درجات الطالب لا ترضي طموح الأهل.

تخطي الحدود التربوية: عبر النقاشات الحادة أو حتى التهديد بالملاحقة القانونية أو الشكاوى الإدارية عند تطبيق أي عقوبة تربوية بسيطة ومستحقة.

هذا الضغط المستمر من أولياء الأمور جعل المعلم يمارس مهنته بحذر شديد وخوف من عواقب أداء واجبه في تقويم سلوك الطلاب، مما أدى إلى انتشار ثقافة “التغاضي” تجنباً للمشاكل.

المناهج ليست العائق الأساسي

عند مقارنة هذه الضغوط السلوكية والاجتماعية بصعوبة المناهج، نجد أن المناهج -رغم دسامتها وتطورها المستمر- تظل عائقاً مقدوراً عليه. فالمعلم يمتلك الأدوات الأكاديمية والمهارات التدريبية التي تمكنه من تفكيك المادة العلمية وتبسيطها؛ لأنها تخضع لمنطق العلم والتحضير المسبق. أما السلوك الإنساني المتقلب، والردود العدوانية، والتدخلات الخارجية، فهي أمور لا يمكن التنبؤ بها ولا توجد لها حلول جاهزة في الكتب الدراسية.

مآلات الأزمة وحلول مقترحة

إذا استمر المعلم في تحمل هذا العبء النفسي وحده، فإن النتيجة الحتمية ستكون احتراقاً وظيفياً وعزوفاً من الكفاءات عن دخول سلك التعليم. ولإعادة الأمور إلى نصابها، لا بد من اتخاذ خطوات جادة:

تفعيل لائحة الانضباط المدرسي: بشكل صارم يحمي كرامة المعلم ويمنحه الصلاحيات التربوية اللازمة لضبط الصف دون خوف.

تحديد حدود العلاقة مع أولياء الأمور: بحيث تقتصر اللقاءات على القنوات الرسمية وبإشراف الإدارة المدرسية، مع نشر الوعي بدور البيت الداعم للمدرسة وليس المحارب لها.

الدعم النفسي والإداري للمعلم: من قِبل إدارات المدارس ووزارات التعليم، ليشعر المعلم بأنه مدعوم ومحمي في بيئة عمله.

ختاماً، إن إعداد جيل متعلم يبدأ أولاً بتهيئة بيئة تحترم المعلّم وتُقدّر رسالته. وصعوبة المناهج يمكن تجاوزها بالجهد والشرح، أما انهيار القيم السلوكية وتراجع هيبة التعليم فهي معضلة تهدد المجتمع بأسره، وإصلاحها يبدأ من الاعتراف بأن المعلم يواجه اليوم أزمة أخلاقية وسلوكية تفوق بكثير أزمته مع المقررات الدراسية.

زر الذهاب إلى الأعلى