الدين و الحياةصدى مصرمقالاتمنوعات

المهدي والهادي… سنوات الاستقرار التي سبقت العصر الذهبي

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

المهدي والهادي

سنوات الاستقرار التي سبقت العصر الذهبي

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

ليست أعظم الدول تلك التي يسطع نجمها في عهد مؤسسها فقط. بل تلك التي تظل قوية حين يغيب المؤسس، ويجلس على العرش من بعده رجال لم يعودوا مطالبين ببناء الدولة من الصفر، وإنما بالحفاظ على ما بُني، وتنميته، وتهيئته لمستقبل أعظم. فكثير من الدول تنهار بعد وفاة مؤسسها، لأن قوتها كانت مرتبطة بشخصه لا بمؤسساتها.

أما إذا بقيت الدولة ثابتة بعد رحيله. فاعلم أن البناء كان عميقًا، وأن الأساسات كانت أقوى من أن تهزها الأيام. وهذا ما حدث للدولة العباسية فحين أغمض أبو جعفر المنصور عينيه للمرة الأخيرة سنة 158 للهجرة، لم يترك وراءه دولة تبحث عن قائد ينقذها. بل ترك دولة تعرف طريقها، وعاصمة تنبض بالحياة، وإدارة تمسك بأطراف إمبراطورية تمتد من حدود الهند إلى شواطئ المحيط الأطلسي.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة. مرحلة لم تكن فيها السيوف هي التي تصنع التاريخ وحدها، بل شاركتها الأسواق، والعمران، والرخاء، واستقرار الحكم. إنها السنوات التي مهدت للعصر الذي سيعرفه المؤرخون فيما بعد بالعصر الذهبي.

المهدي والهادي

سنوات الاستقرار التي سبقت العصر الذهبي

حين تولى الخليفة محمد المهدي الحكم بعد وفاة أبيه أبي جعفر المنصور، كانت الدولة العباسية قد تجاوزت أخطر مراحلها.

فالثورات الكبرى التي كادت تعصف بالدولة في سنواتها الأولى قد خمدت، وأصبحت بغداد عاصمة راسخة، واستقرت موارد الدولة، وامتدت هيبة الخلافة إلى معظم أقاليمها.

ولم يكن المهدي مطالبًا بأن يبدأ من جديد. بل كان مطالبًا بأن يحسن استثمار ما تركه له أبوه. وكانت تلك مهمة لا تقل صعوبة عن التأسيس نفسه. فالحفاظ على دولة مستقرة يحتاج إلى حكمة لا تقل عن الحكمة التي تبنيها.

وقد امتلك المهدي شخصية تختلف عن شخصية المنصور. فإذا كان المنصور قد عُرف بالحزم، والدقة، والحرص الشديد على إدارة الدولة، فإن المهدي عُرف بسعة الأفق، وحسن معاملة الناس، والاهتمام بأحوال الرعية، وإظهار هيبة الخلافة في صورة تجمع بين القوة واللين.

ولم يكن هذا الاختلاف ضعفًا. بل كان دليلًا على أن الدولة قد انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاستقرار.

فالدولة التي كانت تحتاج في بدايتها إلى قبضة قوية تحفظ كيانها، أصبحت قادرة بعد ذلك على أن تمنح المجتمع مساحة أوسع من الهدوء والرخاء.

وفي عهد المهدي، ازدهرت الحركة الاقتصادية، ونشطت التجارة أكثر من ذي قبل، واستمرت بغداد في جذب التجار من المشرق والمغرب، حتى غدت أسواقها ملتقى للقوافل القادمة من خراسان، وفارس، والهند، والشام، ومصر، واليمن.

ولم يكن هذا الازدهار وليد المصادفة. بل كان ثمرة الأمن الذي استقرت عليه الدولة، وحسن الإدارة التي أرسى قواعدها المنصور، ثم واصل المهدي تطويرها.

كما اهتم المهدي بالعمران، وأولى عناية خاصة بالمساجد، والطرق، ومرافق الدولة، لأن ازدهار المدن كان في نظره صورة من صور قوة الخلافة. وكان يدرك أن هيبة الدولة لا تظهر في الجيوش وحدها. بل تظهر أيضًا في الأسواق العامرة، والمدن المزدهرة، والعدل الذي يشعر به الناس في حياتهم اليومية.

ولم يغفل المهدي عن حماية حدود الدولة. فاستمرت الحملات على الثغور الشمالية في مواجهة الدولة البيزنطية، حفاظًا على أمن الحدود، وإبقاءً على هيبة الدولة العسكرية.

لكن تلك الحملات لم تعد تشغل الدولة كما كانت في العقود الأولى. فقد أصبحت الخلافة تملك من الاستقرار ما يسمح لها بأن توجه جانبًا كبيرًا من اهتمامها إلى بناء الداخل، بعد أن أمضت سنوات طويلة في تثبيت أركان الحكم.

وهكذا، أخذت بغداد تكبر عامًا بعد عام. ولم تعد مجرد مدينة بناها المنصور. بل بدأت تتحول إلى عاصمة تنبض بالحياة، وتستعد لاستقبال عصر سيجعل اسمها يتردد في أنحاء العالم. غير أن التاريخ لا يسير دائمًا في خط مستقيم. فبينما كانت الدولة تنعم بهذا الاستقرار، كانت الأيام تخفي حدثًا سيغيّر مجرى الخلافة، ويفتح الباب أمام مرحلة قصيرة، لكنها مليئة بالتوتر.

فبعد سنوات من الحكم، اقترب عهد المهدي من نهايته. وكانت مسألة ولاية العهد تحمل في طياتها بذور أحداث جديدة، ستضع الدولة أمام اختبار آخر، وإن لم يدم طويلًا. لم يكن أكبر ما ورثه المهدي عن أبيه هو اتساع الدولة. بل الاستقرار الذي أصبحت تنعم به.

ولذلك، استطاع أن يوجه جانبًا كبيرًا من اهتمامه إلى ما يجعل الدول أكثر رسوخًا على المدى البعيد. ففي عهده، ازدادت عناية الخلافة بتنظيم أجهزة الدولة، وتحسين أحوال الرعية، وتعزيز الأمن في طرق التجارة، حتى أصبحت بغداد مقصدًا للتجار والرحالة من أقاليم شتى.

وكان المهدي يدرك أن الدولة التي يطمئن إليها الناس، ويأمن فيها التاجر، ويجد فيها العالم مكانته، هي دولة يصعب أن تهتز أمام الأزمات. ولهذا، لم يكن ازدهار بغداد في عهده مجرد نتيجة لسياسات اقتصادية. بل كان انعكاسًا لحالة من الثقة بدأت تتكون بين الدولة ورعيتها.

وفي الوقت نفسه، لم تغفل الخلافة عن دورها الديني والسياسي. فقد اهتم المهدي بالحرمين الشريفين، وأولى عناية بطرق الحج، وعمل على تحسين الخدمات المقدمة للحجاج، إدراكًا لما تمثله تلك المشاعر المقدسة من مكانة في وجدان المسلمين، ولما تعكسه رعايتها من هيبة الدولة ووحدتها.

كما استمرت الحملات على الثغور البيزنطية، حفاظًا على أمن الحدود، وإظهارًا لقدرة الدولة على حماية أطرافها، وإن كان اهتمام المهدي الأكبر قد انصرف إلى ترسيخ ما تحقق من استقرار في الداخل.

ومع مرور السنوات، بدت الدولة العباسية وكأنها تدخل مرحلة جديدة. مرحلة لم تعد فيها أخبار الثورات هي التي تتصدر المشهد. بل أخبار العمران، والتجارة، واتساع النشاط العلمي، ونمو بغداد التي بدأت تستقطب العلماء والأدباء والفقهاء من مختلف الأمصار.

وكان ذلك كله تمهيدًا لما سيأتي بعد سنوات قليلة. لكن القدر لم يمهل المهدي طويلًا. ففي سنة 169 للهجرة، توفي الخليفة، بعد أن حكم نحو عشر سنوات، تاركًا دولة أكثر استقرارًا مما تسلمها، وعاصمة تمضي بخطى ثابتة نحو مكانة لم تبلغها مدينة إسلامية من قبل.

وانتقلت الخلافة إلى ابنه موسى الهادي. ولم يكن الهادي يفتقر إلى الشجاعة أو الحزم. بل كان معروفًا بقوة شخصيته، واعتزازه بمكانة الخلافة، ورغبته في أن يمارس سلطته بنفسه، دون أن يكون امتدادًا لسياسات من سبقوه.

غير أن الأقدار لم تمنحه الوقت الكافي ليترك بصمة بحجم بصمة أبيه أو جده. فقد جاء عهده قصيرًا، ولم يتجاوز عامًا وبضعة أشهر، وهي مدة لا تكفي لإحداث تحولات كبرى في دولة مترامية الأطراف.

ومع ذلك، شهدت تلك الفترة بعض التوترات داخل البيت العباسي، ولا سيما في مسألة ولاية العهد، إذ تشير المصادر إلى وجود اختلاف في الرؤى حول ترتيب الخلافة بعده، وهو ما ألقى بظلاله على الحياة السياسية في أواخر أيامه.

لكن تلك الخلافات، على أهميتها، لم تصل إلى حد زعزعة أركان الدولة. فالأسس التي وضعها المنصور، وعززها المهدي، كانت قد أصبحت أقوى من أن تهزها أزمة عابرة أو خلاف داخل الأسرة الحاكمة.

وهكذا، انتهى عهد الهادي سريعًا، لكنه ترك خلفه دولة ما تزال متماسكة، وعاصمة تزداد ازدهارًا، وإمبراطورية تستعد لاستقبال مرحلة سيصبح فيها اسم بغداد مرادفًا للمجد، ويصبح اسم خليفتها أشهر من أن يحتاج إلى تعريف.

لقد كان التاريخ يهيئ المسرح. وكانت بغداد تستعد لارتداء ثوبها الذهبي. ولم يبقَ إلا أن يصعد إلى المسرح رجل سيقترن اسمه، في ذاكرة الشرق والغرب، بأبهى عصور الحضارة الإسلامية. إنه هارون الرشيد.

قد تبدو سنوات المهدي والهادي، لأول وهلة، أقل صخبًا من عهد المنصور، وأقل شهرة من عهد هارون الرشيد. لكن التاريخ لا يُقاس دائمًا بما يعلو فيه صوت السيوف. بل كثيرًا ما يُقاس بما يسود فيه من استقرار. فليست كل مرحلة عظيمة لأنها مليئة بالحروب، وليست كل مرحلة هادئة لأنها فقيرة بالأحداث. بل إن الأمم كثيرًا ما تبني أعظم إنجازاتها في السنوات التي يظنها الناس عادية.

وهذا ما حدث للدولة العباسية. ففي تلك السنوات، كانت بغداد تنمو في هدوء، وتزداد أسواقها اتساعًا، وتتعاظم مكانتها الاقتصادية، وتستقر مؤسسات الدولة التي أرساها المنصور، بينما واصل المهدي رعايتها، ثم حافظ الهادي على تماسكها رغم قصر مدة حكمه.

ولم يكن هذا الاستقرار مجرد هدوء سياسي. بل كان مرحلة نضج للدولة. فالعواصم العظيمة لا تُولد كاملة في يوم واحد، وإنما تنمو عامًا بعد عام، حتى تبلغ اللحظة التي تصبح فيها قادرة على قيادة العالم.

وكانت بغداد تقترب من تلك اللحظة. لقد أصبحت القوافل تتقاطع عند أبوابها، والتجار يقصدون أسواقها، والوفود تفد إلى بلاطها، وبدأت ملامح مدينة عالمية تتشكل على ضفاف دجلة، استعدادًا لعصر سيحملها إلى مكانة لم تبلغها مدينة إسلامية من قبل.

وهكذا، فإن فضل المهدي والهادي لا يكمن في كثرة الفتوحات، ولا في ضخامة المعارك، وإنما في أنهما حافظا على الدولة التي بناها المنصور، وسلّماها إلى من بعدهما وهي أكثر قوة، وأكثر استقرارًا، وأكثر استعدادًا لمرحلة جديدة.

وهنا تتجلى إحدى سنن التاريخ.فالحضارات لا تصنعها شخصية واحدة. ولا يبنيها خليفة واحد. بل هي ثمرة جهود متعاقبة؛ يضع أحدهم الأساس، ويأتي آخر ليقوي البناء، ثم يأتي ثالث ليزينه، حتى يظن الناس أن المجد وُلد كاملًا، وهم لا يرون آلاف الأيدي التي شاركت في صنعه.

ولو لم ينجح المنصور في تأسيس الدولة، لما وجد المهدي ما يديره. ولو لم يحافظ المهدي والهادي على ذلك البناء، لما وجد هارون الرشيد الإمبراطورية التي ستبلغ في عهده ذروة ازدهارها.

ومن هنا، فإن التاريخ لا يظلم الرجال الذين يسبقون العظماء فحسب. بل كثيرًا ما ينسب المجد إلى آخر من ظهر على المسرح، وينسى الذين هيأوا له الطريق.

لقد كان المهدي والهادي الجسر الذي عبرت عليه الدولة العباسية من مرحلة التأسيس إلى مرحلة المجد.

وحين انتهى ذلك الجسر. بدأ العصر الذي سيخلده المؤرخون في كتبهم، وسيتغنى به الأدباء في حكاياتهم، وستنسج حوله الأساطير في الشرق والغرب.

لقد آن الأوان لأن تبلغ بغداد ذروة تألقها. وأن يجلس على عرشها خليفة ارتبط اسمه، في أذهان الناس، بالثراء، والعدل، والقوة، والعلم، والأدب، حتى أصبح رمزًا لعصر كامل.

لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون. أن هارون الرشيد لم يرث مدينة فحسب. بل ورث دولة مكتملة الأركان، بناها المنصور، ورعاها المهدي، وحافظ عليها الهادي. ثم جاء دوره. ليجعل منها أعظم إمبراطورية عرفها زمانه.

وهنا تبدأ قصتنا القادمة. هارون الرشيد، حين بلغت بغداد ذروة المجد.

وقبل أن نبلغ ذروة العصر العباسي مع هارون الرشيد، كان لا بد أن نعود مرة أخرى إلى الجناح الغربي من العالم الإسلامي. فالتاريخ لا يسير في مدينة واحدة، ولا يتوقف حتى نفرغ من قصةٍ لنبدأ أخرى.

وبينما كانت بغداد تمضي بخطوات ثابتة نحو عصرها الذهبي، كانت قرطبة، على الجانب الآخر من العالم الإسلامي، تخوض رحلة لا تقل أهمية؛ رحلة تحويل الإمارة الأموية الناشئة إلى دولة راسخة، ستصبح بعد عقود منافسًا حضاريًا لبغداد نفسها.

ولذلك، سنترك المشرق قليلًا، لا لأن قصته اكتملت، بل لأن خيوط القصة في الغرب بلغت مرحلة لا يجوز تجاوزها.

سنعود إلى عبد الرحمن الداخل، لنرى كيف ثبت أركان دولته، وكيف بدأت قرطبة تشق طريقها نحو المجد، ثم نعود بعد ذلك إلى بغداد، حيث ينتظرنا العصر الذي بلغت فيه الحضارة الإسلامية إحدى أعلى قممها. عصر هارون الرشيد.

زر الذهاب إلى الأعلى