مقالات

ما عليك من أحد… كن كما أنت!

الرياض كتب : اللواء م علي بن حسن الزهراني
نقضي جزءًا كبيرًا من أعمارنا ونحنُ نفكِّر في الآخرِين أكثر ممَّا ينبغي: ماذا سيقولُون؟ كيف سيفسِّرُون موقفنا؟ هل أعجبهم ما فعلنا؟ وهل تغيَّرت صورتنا في أعينهم؟
وربَّما كانت إحدى علامات النُّضج أنْ يصلَ الإنسانُ، بعد سنوات من التَّجارب، إلى قناعةٍ بسيطةٍ تقول له: ما عليكَ من أحدٍ… ما دمتَ تعرفُ نفسَك، وتحفظُ قيمَك، ولا تظلمُ أحدًا.
ليس المقصود أنْ تعيشَ بلا مبالاة، ولا أنْ تضرب بمشاعر النَّاس عرضَ الحائط، فالإنسانُ الكريمُ يراعي، ويحترمُ، ويعتذرُ إذا أخطأ، ويحفظُ للنَّاس حقوقَهم ومكانتَهم. لكنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين احترام النَّاس، وبين أنْ تجعل حياتك رهينةً لرضاهم. فالنَّاس لنْ يتفقُوا عليك.
إنْ تكلَّمت قال بعضُهم: كثيرُ الكلامِ، وإنْ صمتَّ قالُوا: متكِّبرٌ. وإنْ نجحتَ وجدتَ مَن يفرح لك، ومَن يبحث عن تفسيرٍ يقلِّل من نجاحك. وإنْ اعتذرتَ عدَّها بعضُهم شهامةً، وربَّما رآها آخرُ ضعفًا. وإنْ ابتعدتَ حفاظًا على كرامتك قِيل تغيَّر، وإنْ بقيت رغمَ الأذى قِيل لا كرامةَ له.
فإلى متى تعيشُ مشغولًا بمحاولة إرضاء جمهورٍ لا يتَّفق أصلًا على شيءٍ؟
ما عليك من أحدٍ، لا تعني تجاهل النَّصيحة. فقد تأتيك كلمةٌ صادقةٌ من صديقٍ أو قريبٍ تختصر عليك سنواتٍ من الخطأ، والعاقلُ لا يغلقُ أذنيه عن النَّقد، ولا يظنُّ نفسه دائمًا على صوابٍ. لكنَّها تعني أنْ تعرف الفرقَ بين النَّصيحة التي تبنيك، والكلمة التي تستنزفكَ، وبين مَن يصارحك محبَّةً، ومَن ينتقدك؛ لأنَّه لا يرضيه منك شيءٌ.
وفي العلاقات تحديدًا، نتعبُ -أحيانًا-؛ لأنَّنا نحاولُ الاحتفاظ بأشخاصٍ قرَّرُوا في داخلهم الرَّحيل. نلاحقُ السؤال، ونكرِّر العتاب، ونبحثُ عن أسباب تغيُّرهم، ونحاول إعادة العلاقة إلى ما كانت عليه.
وربَّما كان الأهدأ أنْ نقول: مَن أراد البقاءَ، أهلًا به، ومَن اختارَ طريقًا آخرَ، فليذهبْ بسلامٍ.
لا خصومة، ولا تشهير، ولا إنكار للعِشرة، ولا محو للذِّكريات الجميلة. فقط نضعُ كلَّ إنسان في المكان الذي اختاره لنفسه.
وهذه من أصعب مهارات الحياة: أنْ تستطيع الابتعاد دون كراهيةٍ، وأنْ تغلق بابًا دون أنْ تشتمَ مَن خرج منه، وأنْ تتذكَّر الجميل حتَّى مع مَن لم يكتمل معه الطريق.
كذلك لا تجعل سعادتك معلَّقة بكلمة ثناء. فالمدحُ جميلٌ، والتقديرُ يسعدُ النَّفس، لكنَّهما إذا أصبحا وقودك الوحيد، أصبحت أسيرًا لمَن يمنحهما لك. واليوم قد يرفعك النَّاسُ، وغدًا ينشغلُون عنك، وبعد غدٍ قد ينتقدُونَك.
أمَّا قيمتك الحقيقيَّة فلا ينبغي أنْ ترتفعَ بتصفيقٍ، ولا تنخفض بصمتٍ.
عش كما تُملي عليك مبادئك. أحسن إلى النَّاس؛ لأنَّ الإحسانَ يشبهك، لا لأنَّك تنتظر منهم مقابلًا. صِلْ مَن تحبُّ؛ لأنَّ الوفاء من طبعك، لا لتضمنَ أنَّهم سيبادلُونك الوفاء ذاته. اعتذرْ عندما تخطئُ، وسامحْ حين تستطيعُ، وابتعدْ عندما يصبحُ القربُ مؤذيًا، ولكن لا تحمل معك أحقادَ الطريق.
ومع مرور العُمر ندركُ أنَّ راحة البال ليست في أنْ يحبنا الجميعُ، فهذا لنْ يحدث، وإنَّما في أنْ نتصالح مع أنفسنا، وأنْ يكون حولنا عددٌ قليلٌ من القلوب الصَّادقة التي تعرفنا كما نحنُ، وتحبنا دون تكلُّفٍ.
لذلك، حين يسيءُ أحدُهم فهمَك، رغم أنَّك أوضحتَ، ما عليك منه. وحين يقلِّل شخصٌ من إنجازك، ما عليك منه. وحين يبتعدُ مَن كنت تظنُّه الأقرب، اتركْ له مساحة اختياره، وواصل طريقك.
لكن حين تخطئُ أنتَ، توقَّف وراجعْ نفسك؛ لأنَّ عبارة «ما عليك من أحدٍ» لا ينبغي أنْ تصبح ستارًا نخفي خلفه أخطاءنا، أو نهرب بها من حقوق الآخرِين.
وهنا يكمن التوازن الجميل: لا تعش للنَّاس، ولا تعش بلا النَّاس. احترمهم، وأحبهم، واحفظ ودَّهم، لكنْ لا تسلِّمهم مفاتيح سلامك الداخلي. سيقول النَّاسُ ما يريدُون، وسيفهم بعضُهم، ويسيءُ بعضُهم الفهم، ويبقى لك شيءٌ واحدٌ تستطيع التحكُّم فيه: أنْ تكون إنسانًا ترضى عنه حين تختلي بنفسِك.
فما دمتَ لم تظلمْ، ولم تخنْ، ولم تتخلَّ عن مبادئِك، فامضِ مطمئنًا… وما عليكَ من أحدٍ.
وفي النهاية، عش بسلام مع نفسك، وأحسن إلى الناس ما استطعت، ولا تجعل رضاهم ميزانًا لقيمتك، ولا مواقفهم سببًا لفقد طمأنينتك. افعل ما يمليه عليك ضميرك ودينك، واترك للآخرين اختياراتهم، واجعل اتكالك على الله؛ فهو حسبك وكافيك. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

زر الذهاب إلى الأعلى