صدى مصرمقالات

بعد انتهاء الامتحان سقط الامتحان الحقيقي

 

 

بعد انتهاء الامتحان سقط الامتحان الحقيقي

 

كتب: علي فتحي

 

انتهت امتحانات الشهادة الإعدادية وانصرف الطلاب من لجانهم بعد عام كامل من الدراسة والجهد والتوتر وكان من المفترض أن يكون المشهد الأخير هو فرحة بانتهاء الامتحانات واستعداد لبداية الإجازة الصيفية لكن ما تم تداوله من أحداث مؤسفة أمام إحدى المدارس بمحافظة الشرقية حول نهاية اليوم إلى مشهد يثير الحزن والتساؤلات

فالامتحان الحقيقي لم يكن داخل اللجنة بين الطالب وورقة الأسئلة بل كان خارج أسوار المدرسة في اختبار للأخلاق والقيم واحترام الآخرين وهو اختبار يبدو أن البعض لم ينجح فيه

إذا كان هناك شخص مكلف بمراقبة لجنة امتحانية فإن واجبه الأساسي هو تطبيق القواعد المنظمة للامتحان والحفاظ على تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب قد يتفق البعض مع أسلوبه أو يختلفون معه لكن يبقى من حقه أن يؤدي عمله دون خوف أو تهديد أو اعتداء فالدولة حين تكلف شخصًا بمهمة ما فإنها تمنحه مسؤولية يجب أن يؤديها وفق اللوائح والقوانين

المؤسف أن بعض الناس أصبحوا ينظرون إلى منع الغش باعتباره مشكلة بينما المشكلة الحقيقية هي الغش نفسه وأصبح البعض يغضب من الشخص الذي يطبق القانون أكثر من غضبه من الشخص الذي يخالفه وهنا تكمن الأزمة الكبرى التي تهدد المجتمع على المدى البعيد

إن أخطر ما في مثل هذه الوقائع ليس ما يحدث في لحظته فقط وإنما الرسائل التي تتركها في عقول الأبناء فالطالب الذي يشاهد الكبار وهم يهاجمون شخصًا لأنه أدى واجبه قد يقتنع أن الالتزام بالقانون خطأ وأن مخالفة القواعد أمر طبيعي إذا كانت تحقق مصلحة شخصية ومع مرور الوقت تتحول هذه الأفكار إلى سلوكيات راسخة تؤثر على المجتمع بأكمله

الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعًا هي أن النجاح لا يقاس بدرجات الامتحان فقط بل يقاس أيضًا بالأخلاق التي يتحلى بها الإنسان فقد يحصل شخص على أعلى الدرجات لكنه يفشل في احترام الآخرين وقد يحقق نجاحًا دراسيًا مؤقتًا لكنه يخسر احترام المجتمع وثقته

كما أن الغش لا يصنع متفوقين حقيقيين بل يصنع نجاحًا زائفًا سرعان ما ينكشف عند أول اختبار حقيقي في الحياة فالحياة لا تمنح درجات مجانية وسوق العمل لا يعترف إلا بالكفاءة والمجتمعات الناجحة لا تبنى إلا على العلم والأمانة والاجتهاد

ومن المؤسف أن يتحول بعض أولياء الأمور من داعمين للقيم والأخلاق إلى طرف في نشر ثقافة التبرير والتجاوز فالأب والأم هما القدوة الأولى للأبناء وكل تصرف يصدر عنهما يترك أثرًا أكبر من آلاف الكلمات والنصائح وعندما يرى الأبناء احترام القانون سيتعلمون احترامه وعندما يرون الاعتداء على من يطبقه سيتعلمون عكس ذلك

إننا بحاجة اليوم إلى مراجعة حقيقية لأولوياتنا هل أصبح المجموع أهم من الأخلاق وهل أصبحت النتيجة أهم من الطريقة التي وصلنا بها إليها وهل أصبح النجاح يستحق التضحية بالقيم التي تربينا عليها

المجتمعات لا تنهار فجأة لكنها تتراجع عندما تبدأ القيم في التآكل تدريجيًا وعندما يصبح الخطأ مقبولًا ويصبح الاعتراض على الخطأ مرفوضًا فإن الخطر لا يكون على التعليم فقط بل على المجتمع بأكمله

وفي النهاية تبقى رسالة واحدة يجب أن نتفق عليها جميعًا لا أحد فوق القانون ولا أحد يجب أن يتعرض للإهانة أو الاعتداء بسبب قيامه بعمله فالاحترام ليس خيارًا والأخلاق ليست وجهة نظر والاختلاف لا يبرر العنف أبدًا

لقد انتهى امتحان الإعدادية لكن امتحان القيم والأخلاق سيظل مستمرًا كل يوم والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو أي درس تعلمه أبناؤنا من هذا المشهد وأي مجتمع نريد أن نتركه لهم في المستقبل

الإجابة تبدأ من احترام الحق واحترام القانون واحترام الإنسان

زر الذهاب إلى الأعلى