بين جحود الآباء وبراءة الضحية”.. طفلٌ تائهٌ على أرصفة التفكك الأسري
بين جحود الآباء وبراءة الضحية”.. طفلٌ تائهٌ على أرصفة التفكك الأسري
بقلم د: محسن رجب جودة
في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، وتتفطر منه القلوب، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو صادمًا يوثق واحدة من أبشع صور غياب الإنسانية والتنصل من المسؤولية الأبوية. الفيديو يظهر رجلاً (يبدو أنه فاعل خير أو سائق “توكتوك”) وهو يحاول تسليم طفل صغير إلى والده بعد أن عثر عليه أو تم إحضاره من مركز الشرطة، لتتكشف خلف الأبواب المغلقة مأساة حقيقية عنوانها: “طفلٌ فائضٌ عن الحاجة”.
تبدأ تفاصيل الواقعة المؤلمة عندما يقف الوالد على عتبة منزله، رافضًا بشكل قاطع استلام طفله، مدعيًا أن مسؤوليته تجاهه قد انتهت، ومطالبًا بإرساله إلى والدته أو التعامل عبر المحامين. ولم تقف الصدمة عند هذا الحد، بل خرجت زوجة الأب لتشارك في جدار الصد، معلنةً بملء فيها: “أمه اتجوزت وهي ملزمة بيه.. إحنا مش هنربي لحم غيرنا”.
بين عناد الأب وجحود زوجته، وتملص الأم الغائبة بسبب زواجها الجديد، وقف الطفل الصغير حائرًا، ينظر إلى الأرض تارة وإلى والده تارة أخرى، في مشهد يختصر كل معاني الانكسار والخذلان. طفل في عمر الزهور، يُلقى به في وسط الشارع كأنه بضاعة مُسترجعة لا يجد من يأويه.
إن هذا الفيديو لا يمثل مجرد خلاف عائلي عابر، بل هو ناقوس خطر يضرب جدار المجتمع، ويكشف عن عمق أزمة “التفكك الأسري” التي باتت تهدد السلم المجتمعي.
أين غريزة الأبوة؟ كيف لِأب أن يغلق بابه في وجه قطعة من جسده، ويتركه للمجهول وللشارع بمخاطره الشديدة؟
الأنانية المتبادلة: تظهر القصة كيف تحول الأطفال في بعض قضايا الطلاق إلى “أوراق ضغط” أو “حمولة زائدة” يتخلص منها كل طرف ليعيش حياته الجديدة دون منغصات.
أمام هذا الخذلان الواضح، نجح الرجل الشهم الذي أحضر الطفل في إجبارهما على بقاء الصغير أمام المنزل، موجهًا رسالة حاسمة للأب وزوجته بأن المجتمع والشاهدين لن يتركوا هذا الجرم يمر مرور الكرام.
من الناحية القانونية والإنسانية، ما حدث في هذا الفيديو يُصنف تحت بند “تعريض حياة طفل للخطر والإهمال المتعمد”، وهو جرم تعاقب عليه القوانين والتشريعات لحماية الطفل. فالأب ملزم بقوة القانون والشرع برعاية ابنه وتوفير المسكن والملبس والأمان له، ولا يحق له تحت أي ظرف أو نكاية في طليقته أن يلقي بابنه إلى الرصيف.
إن نظرات هذا الطفل الانكسارية في نهاية مقطع الفيديو هي صرخة في وجه كل أب وأم تخليا عن أمانتهما. الأطفال ليسوا اختيارًا مؤقتًا يمكن إلغاؤه عند حدوث الأزمات، بل هم مسؤولية أمام الله وأمام المجتمع.
نأمل أن يصل هذا المقطع إلى الجهات المعنية وخط نجدة الطفل ليتدخل فورًا، ليس فقط لتأمين مأوى وحياة كريمة لهذا الطفل، بل لمحاسبة هذا الأب الذي تجرد من مشاعر الأبوة والإنسانية، ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه هدم حياة طفل بريء.





