ثمن الغربه ) بقلم الأديبة جيهان موسى الصياد

(ثمن الغربه ) بقلم الأديبة جيهان موسى الصياد
ليس كل من يرحل عن وطنه يعود كما كان… فبعض الرحيل لا يأخذ الجسد فقط، بل يسرق العمر شيئًا فشيئًا ويترك خلفه قلبًا مثقلًا بالانتظار، وفي طرق الغربة لا تُقاس السنوات بعدد الأيام بل بعدد الخيبات التي يمر بها الإنسان وهو يحاول أن يصنع حياة كريمة لمن يحب. سافر محمود إلى دولة عربية بحثًا عن رزق لأولاده الخمسة، وودّع زوجته وأطفاله وقلبه مليء بالخوف والرجاء، كان يتخيل عملًا بسيطًا مناسبًا لمؤهله، لكنه لم يجد سوى العمل في المطاعم، يغسل الأواني وينظف الأرضيات، ومع ذلك كان كل ما يشغله أن يرسل المال لأسرته، وكأن قلبه يعيش هناك معهم. مرت السنوات، وكان يعيش من أجلهم فقط، بينما في مصر كانت زوجته تتغير حياتها بالكامل، تبني البيت وتغير واقع أولادها، حتى قامت بهدم البيت القديم وبناء عمارة كبيرة وكتبت كل شيء باسمها وباسم أولادها، وكبر الأبناء وتزوجوا وجاء الأحفاد، ومضت السنوات وهو بعيد لا يرى شيئًا.
عاد محمود بعد وفاة أمه، فوجد والده وحيدًا، فحاول أن يأخذه معه، لكن الزوجة كانت قاسية وصاحبة كلمة مسموعة، وعندما دخل البيت قالت له بحدة: “إنت جبت أبوك هنا من غير ما تقول؟” قال محمود بهدوء: “ده أبويا وراجل كبير، هيعيش معانا.” ردت بقسوة: “أنا ست هعيش لوحدي، والناس مبترحمش، وأنا مش عايزة حد يجيب سيرتي بكلمة.” ثم أكملت: “حتى لو عنده مية سنة… ده راجل غريب.” حاول محمود أن يتمسك بحقه وقال: “ده في مقام أبوكي.” لكنها ردت ببرود: “الحل إنك توديه دار مسنين.” اشتعلت الكلمات في قلبه فقال: “دار مسنين؟ أنا أشيل حِمل أبويا على دماغي.” لكن الأب كان يسمع كل شيء، ودموعه تسبق كلامه، وقال بصوت مكسور: “يا ابني… هي كلامها صح… أنا مهما كان غريب عنها.” حاول محمود أن يتمسك به، وقبّل يده وقال: “متزعلش يا أبا… إنت هتعيش هنا.” لكن الزوجة صرخت: “طيب طلقني وخليه هو يربي عيالك!” ارتجف الأب وقال: “لا يا بنتي… طلاق إيه بعد الشر… أنا مش سبب خراب البيوت… خدني يا ابني… ودّيني دار مسنين.” انكسر محمود من الداخل، لكنه وافق وهو يبكي.
نزل الأب من البيت يحمل ذكرياته، يتذكر زوجته التي كانت تؤنسه في الريف، ودموعه تسبق كلماته، وقال: “ياريت الزمن يرجع.” قال محمود وهو ينهار: “أنا ممكن مسافرش وأفضل معاك… وأطلقها.” لكن الأب رد بحسم مؤلم: “لا يا ابني… سافر عشان تعمل حاجة لعيالك… وأنا هكون في الدار مع ناس زيي… متخفش عليا.” سافر محمود مرة أخرى وهو يحمل حزنًا صامتًا، وكتب توكيلًا عامًا لزوجته، ونفذ كل ما طلبته، ودخل الأب دار المسنين، وسافر هو إلى الخليج، وهناك شاء القدر أن تندلع حرب، فرفض المشاركة فيها، ودفع الثمن سنوات من عمره في السجون، وانقطعت أخباره تمامًا.
مرت السنوات، وخرج أخيرًا من السجن، وركض إلى الطائرة كأن الزمن يطارده، وهو يحلم بلحظة اللقاء، وعندما وصلت الطائرة إلى القاهرة، نزل وسجد على الأرض، يقبّل ترابها ويبكي شوقًا، ثم ذهب مباشرة إلى دار المسنين، وسأل عن والده، فجاءه الرد كالصاعقة: “مات من سنين.” تجمد مكانه، ثم سأل عن قبره، وذهب إليه، وجلس بجانبه وقال وهو يبكي: “وحشتني يا حاج… والله غصب عني… متزعلش مني… عمري ضاع في الغربة وفي السجون.” قرأ له الفاتحة، ثم قام وهو يحمل وجعًا جديدًا.
خرج مع السائق الذي كان معه، فقال له السائق: “رايح فين؟” قال محمود: “حدائق القبة… بيتي.” نظر إليه السائق وقال: “شكلك تعبان… خير؟” فحكى له محمود كل شيء، فقال السائق: “لا حول ولا قوة إلا بالله… إنت تعبت كتير… ربنا يجازيك خير… دلوقتي بقى رايح لعيالك، مش هيصدقوا لما يشوفوك… ومراتك هتموت من الفرحه.” ابتسم محمود لأول مرة وقال: “أخيرًا هشوف عيالي… أنا مش مصدق.”
وصل، ونزل من السيارة، فقال له السائق: “خد رقمي لو احتجت حاجة.” قال محمود: “إنت ونعم الصاحب… اتفضل الأجرة.” رفض السائق وقال: “عيب عليك… أنا هستناك لو احتجت حاجة.” شكره محمود ووقف أمام العمارة يتأملها، ثم دخل، فوجد أطفالًا يلعبون، فسألهم: “إنتوا مين؟” قالوا: “إحنا أحفاد البيت ده.” فرح بهم، لكنهم خافوا وابتعدوا عنه. صعد إلى شقته، وطرق الباب.
فتحت زوجته، ونظرت إليه بصدمة، ثم صرخت: “بسم الله الرحمن الرحيم… إزاي؟ إنت ميت!” ركض الأبناء وقالوا: “مين ده؟” قال محمود: “أنا عايش يا حبيبتي.” ظهر رجل آخر، فقال بحدة: “نعم؟ حبيبتك مين؟ اطلع برة.” قال محمود: “مين ده؟… آه… حسين ابن خالتها؟ إنت بتعمل هنا إيه؟” قالت الزوجة ببرود: “ده جوزي.” قال محمود بصدمه: “جوزك؟ وأنا إيه؟” قال الأبناء ببرود: “للأسف… إحنا نسيناك… كل واحد فينا له حياته وبيته وعياله… إنت دفعت تمن غربتك.” ثم قالوا: “يلا روح شوف مكان تعيش فيه… أو نوديك دار مسنين.” نزلت دموعه وقال: “دار مسنين؟ ده بيتي… ده تعبي.” قالت الزوجة: “تعبك إيه؟ أنا اللي بنيت وربيت وجوزت… وإنت انقطعت أخبارك، رفعت خلع واتجوزت.” قال محمود: “طيب إدوني شقة أعيش فيها.” قالوا: “البيت كله باسمنا… ملكش مكان هنا… الأحسن لك دار بدل الشارع.” نظر إليهم وقال: “الشارع؟ دي آخرتي؟”
نزل السلالم منهارًا، وخرج إلى الشارع، واتصل بالسائق، فجاءه، وأخذه إلى المستشفى بعد أن ساءت حالته، وقال الطبيب: “جلطة بسبب صدمة.” ذهب السائق إلى الأبناء وقال لهم: “أبوكم هيموت… تعالوا خدوه يعيش وسطكم.” قالوا ببرود: “وسطنا فين؟ كل واحد له بيته… خده دار مسنين.” غضب السائق وقال: “إنتوا مش بشر… ده جحود!” وتركهم.
بعد أيام، ذهب السائق إلى المستشفى، فسأل عنه، فقالت الممرضة: “مشي.” قال: “راح فين؟ ده ملوش حد…” ولم يجد إجابة.
وفي النهاية، كان محمود يمشي في الشوارع بلا وجهة، حتى وصل إلى المقابر، وجلس أمام قبر والده، ووضع يده على التراب وقال وهو يبكي: “شفت يا أبويا اللي حصل؟ ضيعت عمري كله عليهم… وفي الآخر عايزين يرموني في دار مسنين… أنا عملت كده معاك غصب عني… سامحني.” وبكى طويلًا ثم قال: “أنا هعيش هنا جنبك… هكلمك وهتونس بيك… إنت والموتى هتحسوا بيا… لكن عيالي لا.” وظل يجلس بين القبور، يحكي لهم قصته، وكأن الموتى وحدهم من يسمعونه… بينما الأحياء أنكروا وجوده.





