أدب وثقافةعرب وعالممقالات
جيلٍ يتشكّل في قلب الصراع. غدير حميدان الزبون
اعلم أيها القارئ أنّ في دروبِ الحكاياتِ سرًّا يُروى، وفي صدورِ الأيامِ نبضًا إذا انكشف الهوى، فافتح سمعَك لما يأتي، ودع قلبَك يصغي لما يُحكى ويُرتجى. فالعالمُ ساحةُ معنى، والإنسانُ فيها ساعٍ بين نورٍ يُهدى، ووعيٍ يُبنى، وخطوٍ على دربٍ إذا استقام ارتقى. وفي القدس يبدأ القولُ ويستقيمُ الميزان، فالحجرُ شاهدٌ، والدعاءُ عنوان، وتلتقي الأرضُ بالسماء في وعدٍ لا يَخون ولا يَفنى. تتفتّح الحكايةُ كزهرٍ في زمنٍ مثقلٍ بالأصداء، ويعلو صوتُ المعنى في حضرة الرجاء.
يمضي المثقفُ بين الناسِ كالسراج، ينسج من الفكر منهاج، ويجعل من الكلمة تاج، فيجمع بين الحكمة والإيقاع، وبين البيان والإبداع حتى تغدو الثقافة نهرًا جاريًا، يروي القلوب، ويمنح الروح امتدادًا لا ينقطع ولا يُرتجى له انقضاء. تتعانقُ الأصواتُ ثم تهدأ، وتبقى الحكايةُ لتمشي على مهلٍ بين نبضِ الإنسانِ وظلالِ المعنى في اتّساع هذا العالم، ثمّ فجأة تتشكّلُ الأيامُ من ضوءٍ وعتمة، ومن رجاءٍ يمضي في الطرقات، ومن أسئلةٍ تُولدُ كلّما لامست الروحُ حافّةَ الألم.
هناك، في القدس تمشي الحكايةُ على حجارةٍ تعرف أسماءَ العابرين، وتحفظُ في مسامها أثرَ الدعاء. عند أبواب المسجد الأقصى تقفُ اللحظةُ مشدودةً بين الأرضِ والسماء، وتتكثّفُ فيها المعاني، وتنبضُ الأسئلةُ كقلبٍ يبحثُ عن اتساعه. يمضي الشرّ في الحكاية الإنسانية فصلا يتكرّر بأشكالٍ شتّى، فيحمل وجوهًا متبدّلة، ويختبرُ في كلّ مرّةٍ قدرة الإنسان على الفهم والاختيار. ففي الأزمنة القديمة ظهر الشرّ في صورة صراعٍ بين الآلهة في الأساطير، وفي العصور اللاحقة تجلّى في الحروب، وفي انكسارات الإنسان أمام ذاته.
ومع كلّ تحوّل ظلّ يحمل سؤالًا واحدًا يتمثّل في: كيف يحفظ الإنسان توازنه بين ما يملك وما يكون؟ في تأمّلٍ بعيد رأى أفلاطون العالمَ مسرحًا لظلالٍ تحتاج إلى وعيٍ كي تنكشف، وفي ضميرٍ متيقّظ رأى إيمانويل كانط قانونًا أخلاقيًا يسكن الإنسان ويقوده. وبين هذين الأفقين تشكّلت رحلة الإنسان في رحلة بحثٍ عن معنى، وسعيٍ دائمٍ نحو الاتساق. وفي زمننا تتخذ الحكاية مسارًا أكثر تعقيدًا؛ إذ تتشابك القوة بالمصالح، وتتشظّى المعاني بين الخطابات، فتغدو الحقيقةُ بحاجةٍ إلى من ينفض عنها الغبار.
هنا تتجلّى القدس كمرآةٍ شفافة تعكس صورة العالم بوضوحٍ مؤلم. فالأزقّة التي عرفت وقع الأقدام المصلّية، والأبواب التي احتضنت الدعاء تحمل اليوم ثقل لحظةٍ مشدودة، ويكأنّ الزمن يتوقّف عندها، ويستمعُ إلى صمتٍ يفيض بالمعنى. وتُروى الحكاية بتفاصيل صغيرة من يد ممدودة نحو بابٍ مغلق، فدعاء يعلو من خلف الحواجز، إلى عين تلمع بإصرارٍ يشبه الضوء الذي يشقّ طريقه في العتمة.
هذه التفاصيل على بساطتها تكتب سرديةً إنسانيةً عميقة، وتُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومقدّسه،و بين الحقّ وصوته.
وفي سجلّ الذاكرة تتوالى الشواهد، ليقف الحلاج شاهدًا على كلمةٍ دفعت صاحبها إلى أقصى حدود التجربة، ويأتي جلال الدين الرومي ليجعل من الحبّ طريقًا يعيد للإنسان صفاءه، بينما يكتب محمود درويش قصيدته كأنها بيتٌ يسكنه الوطن، فتتحوّل اللغة إلى أرضٍ ثانية. هذه الشواهد لا تقف عند حدود الزمن بقدر ما تمتدّ لتقول إنّ المعنى يظلّ حيًّا ما دام هناك من ينطق به، وما دام هناك من يرى في الإنسان قيمةً تستحق الحفظ.
في هذا المشهد ينهضُ المثقفُ حاملًا للمعنى، وصانعًا لجسور الفهم. فكلمته امتدادٌ لفعلٍ إنسانيّ عميق يربط بين الذاكرة والحاضر، ويمنح التجربة صوتها. وعندما تحدّث أنطونيو غرامشي عن المثقف رسم له دورًا يتجاوز المعرفة إلى المشاركة، لتصبح الثقافةُ فعلًا يوميًا يتقاطع مع حياة الناس. والمثقف في زمن القدس يكتب كي تبقى الحكاية حيّة، فتتشكّل من التفاصيل الصغيرة لوحةٌ كبرى تُظهر الإنسان في أعمق حالاته. فيلتقط نبض المكان، ويصوغ منه لغةً تحمل صداه، فتغدو الكتابة فعلَ حضور، وتتحوّل الذاكرة إلى مقاومةٍ هادئة. وينمو الشرّ في أحد مساراته عندما تتقدّم المادة على المعنى، و تنفصل الأشياء عن جذورها، فيتقلّص الإنسان داخل حساباتٍ ضيّقة.
وفي مسارٍ آخر يتراجع عندما تتّسع الرؤية، ويعود الإنسان إلى توازنه، فيرى في ذاته امتدادًا للآخر، وفي العالم مساحةً مشتركةً للحياة. وفي اللحظات التي تتكاثف فيها الأحداث نسأل: ماذا يملك المثقف ليقدّمه عندما تضيق المساحات وتشتدّ وطأة الواقع؟يتشكّل الجواب في عمق الفعل الثقافي؛ فالمثقف لا يعمل في هامش الحياة، إنما في مركزها الأكثر تأثيرًا، فهو يعمل في مركز تشكيل الوعي، وبالتالي يغدو دوره في القضية الفلسطينية، وفي القدس تحديدًا فعلًا تأسيسيًا يتجاوز الظرف إلى الامتداد.
فأول ما يقدّمه المثقف هو تثبيت المعنى في وجه التآكل، لأنّ القضية الفلسطينية إذا تركت لدوّامة الأخبار تفقد تدريجيًا كثافتها الإنسانية، وتتحوّل إلى معطى عابر. فيتدخّل المثقف ليعيد بناء الرواية، ويربط الحدث بجذوره، ويمنحه سياقه التاريخي والإنساني، ويصوغ منه سرديةً قادرة على البقاء. هذا الفعل يجد صداه في رؤية أفلاطون الذي جعل المعرفة انتقالًا من الظلال إلى الحقيقة؛ فالمثقف يخرج بالقضية من سطحها الإعلامي إلى عمقها الإنساني، إذْ تتجلّى حقيقتها كاملة.
ثم يتقدّم دورٌ أكثر دقّة وهو تفكيك البنية الفكرية التي تُشوّش الوعي. فكلّ واقعٍ يحمل في داخله خطابًا يبرّره، أو يُعيد صياغته بطريقةٍ تُربك الإدراك. والمثقف هنا يمارس فعل النقد؛ فيقرأ اللغة، ويكشف انزياحاتها، ويعيد ضبط المفاهيم. وهذا ما أشار إليه أنطونيو غرامشي فتحدّث عن الهيمنة الثقافية حيث تتشكّل السيطرة عبر الأفكار قبل الوقائع. وتبدأ مواجهة هذه الهيمنة بإنتاج خطابٍ بديلٍ واضحٍ متماسكٍ يُعيد للإنسان قدرته على الفهم والتمييز.
وفي سياقٍ أعمق يعمل المثقف على إعادة توجيه البوصلة الأخلاقية لدى الجيل. فالقيم تنتقل وتتشكّل عبر التجربة والسرد، ويقدّم المثقف نماذج إنسانية حيّة، ويستحضر الشواهد من التاريخ والأدب، فهو يُنشئ لدى القارئ حسًا أخلاقيًا قادرًا على الحكم، ليتقاطع مع ما طرحه إيمانويل كانط حول القانون الأخلاقي الداخلي، ويصبح الإنسان قادرًا على الفعل انطلاقًا من وعيٍ ذاتي بالكرامة الإنسانية. وفي هذا الإطار تغدو القدس أكثر من مكان، وتتحوّل إلى رمزٍ أخلاقي جامع. والحديث عن أبواب المسجد الأقصى، وعن تفاصيل الوصول إليه يمنح الجيل صورةً ملموسة عن العلاقة بين الإنسان ومقدّسه، وبين الحقّ وتجلياته.
هذه الصورة تُسهم في بناء ارتباطٍ وجدانيّ عميق يجعل القضية حيّة في الداخل، لا مجرّد معرفة خارجية. كما يقدّم المثقف بدائل جمالية تُرسّخ المعنى، فالجمال يمتلك قدرةً خاصة على الوصول إلى الوجدان، فتعجز الخطابات المباشرة. وفي الوقت الذي تتحوّل فيه القضية إلى قصيدة، أو رواية، أو عملٍ فني فإنها تكتسب حياةً جديدة، وتمتدّ في الزمن. وهذا ما جسّده محمود درويش الذي صاغ من الكلمة وطنًا، ومن الشعر ذاكرةً تقاوم النسيان.
أما في مواجهة ما يتسرّب إلى الفكر من التباس، فيعمل المثقف على بناء عقلٍ نقديّ لدى الجيل؛ عقلٍ يسأل، ويحلّل، ويربط بين الظواهر. هذا العقل يُعيد إنتاج الحقيقة داخل رؤيةٍ أوسع، وهنا تكمن وظيفة الثقافة كتدريب على التفكير، لا تكديسٍ للمعارف. وفي بعدٍ آخر يضطلع المثقف بمهمّة تحويل التعاطف إلى وعيٍ فعّال. فالمشاعر التي تبقى في إطارها اللحظي تخبو سريعًا، أما التي تُصاغ في معرفة فإنها تتحوّل إلى موقفٍ مستمر. هذا التحوّل يمنح الجيل قدرةً على الاستمرار في الاهتمام، وعلى حمل القضية التي باتت جزءًا من هويته الفكرية.
إنّ ما يقدّمه مثقفو العصر في جوهره يتمثّل في إعادة بناء الإنسان من الداخل ليرى في القدس معنى، وفي فلسطين ذاكرة، وفي القيم بوصلةً للحياة. بهذا الفعل تتشكّل مقاومةٌ من نوعٍ خاص، مقاومة لا تعتمد على اللحظة وحدها، إنما على تراكم الوعي، وعلى قدرة الفكر على الامتداد.
وهكذا يصبح المثقف فاعلًا في الزمن العميق، يزرع أفكارًا تنمو، ويؤسس لمعانٍ تبقى، ويمنح الجيل أدواتٍ يرى بها العالم بوضوح، ويحمله على اختيار الخير الواعي المتجذر في فهمٍ عميق للإنسان والحياة. وتتكثّف الحكاية في فلسطين، وتكتسب أبعادها الأعمق، فتصبح الأرض ذاكرة، ويغدو الإنسان صوتها. وفي القدس يتجدّد النشيد مع كلّ خطوةٍ تُكتب على الطريق، ومع كلّ كلمةٍ تُقال لتبقى الحكاية نابضة. في هذه اللحظة، يقف العالم أمام مرآته، ويقرأ في ملامحها قصته، ويعيد اكتشاف ذاته عبرها. وبين الحجر والدعاء، وبين الصمت والصوت، تنبثق حقيقةٌ بسيطة وعميقة فالإنسان الذي يحمل المعنى يمنح العالم فرصةً جديدة للحياة.
فيا سائلاً عن الحكاية إذا اشتدّ المدى واستطال، وعن سرِّ المعنى عندما يضيق المقال، اسمع حديثَ قلبٍ سكنته القدس، فغدا نبضُه منها وإليها يَؤول ويُقال. هناك تنحني الأزمنة إجلالًا، وتنهض الكلمات اشتعالًا، ويغدو المثقفُ حاملَ الرسالةِ إنْ نادى المنادون، وحارسَ المعنى إنْ نامت العيون. يسير بين الناس بفكرٍ يُنير، وقلبٍ يُبصِر، ولسانٍ يُعبّر، فينسج من الحرف جسرًا، ومن الوعي نصرًا، ومن الحكاية عمرًا لا يُقاس بالأعمار. فإذا ضاق الأفق اتّسع بيانه، وإذا ثقل الصمت علا لحنه وإيقاعه وميزانه، حتى تصير الثقافة وعدًا يُصان، وميثاقًا بين الإنسان والإنسان. فتلك هي الحكاية، وتلك بدايتها والنهاية: معنىً يُولد في القدس، ويكبر في الأرواح، ويظلّ ما ظلّ في الصدر متّسعٌ للنور، وفي الكلمة نبضٌ لا يزول ولا يُستباح.





