أدب وثقافة

حين كان التاريخ ينتظر الرجل الذي سيغيّر كل شيء

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

حين كان التاريخ ينتظر الرجل الذي سيغيّر كل شيء

بقلم / محمد مصطفى كامل
في هذا المقال نمهّد طبيعيًا للمقال التالي في السلسلة، والذي يجب أن يدخل بالقارئ مباشرة إلى العالم قبل البعثة النبوية، لا باعتباره حدثًا دينيًا فقط، بل لحظة تاريخية كان الكون كله يتهيأ لها. العالم قبل البعثة
ليست كل اللحظات العظيمة تبدأ بصوت مرتفع. بعض التحولات الكبرى تولد بينما العالم منشغل بنفسه، غارقًا في صراعاته، غير مدرك أن التاريخ يستعد لفتح صفحة جديدة بالكامل. وقبل ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم،
لم يكن العالم يعيش حالة استقرار كما تصوّر بعض الكتب القديمة، بل كان يقف فوق أرض متعبة تتصدع ببطء.
الإمبراطوريات بدت قوية لكنها كانت تستنزف نفسها من الداخل. العقائد انتشرت لكن الحقيقة اختلطت بالسياسة والفلسفة والصراع على النفوذ. والإنسان صار يملك أدوات القوة، لكنه يفقد شيئًا أعمق بكثير، يفقد المعنى.
وكأن البشرية كلها كانت تتحرك نحو لحظة انتظار غامضة، دون أن تدرك أن الصحراء البعيدة التي لا يلتفت إليها أحد، ستصبح بعد سنوات قليلة مركز العالم الجديد. روما، إمبراطورية تحكم الأرض وتخسر روحها.
في الشمال، كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية تفرض هيبتها على مساحات هائلة من العالم.
المدن مزدهرة،والجيوش قوية،
والكنائس تزداد نفوذًا،لكن خلف تلك الصورة، كان الانقسام ينهش الداخل.
الصراعات المذهبية اشتدت،
والجدالات اللاهوتية تحولت أحيانًا إلى معارك سياسية،
حتى أصبح الدين نفسه جزءًا من صراع السلطة.
كانت روما تبدو عظيمة أمام الناس،
لكنها من الداخل تعيش حالة إنهاك حضاري وروحي، وكأنها فقدت القدرة على منح الإنسان الطمأنينة التي يبحث عنها.
فارس، نار الإمبراطورية التي لا تنطفئ.
أما الدولة الساسانية في فارس،
فكانت واحدة من أعنف القوى العسكرية في ذلك العصر.
لكن سنوات الحروب الطويلة مع الرومان استنزفت الجميع.
الضرائب ارتفعت،والفقراء ازدادوا معاناة،والصراع الطبقي أصبح أكثر وضوحًا.
حتى العقيدة الزرادشتية نفسها دخلت في صراعات داخلية،
وكأن الشرق والغرب معًا كانا يقتربان من حالة تعب تاريخي شامل.
العالم كان قويًا بالسلاح،لكنه مرهق من الداخل.
الجزيرة العربية، الأرض التي تجاهلها الجميع.
وفي وسط هذا المشهد المضطرب،
كانت الجزيرة العربية تبدو بعيدة عن صناعة الأحداث الكبرى.
لا قصور ضخمة،ولا جيوش جرارة،
ولا حضارة مركزية تشبه فارس أو روما.
مجرد قبائل متفرقة،وصحراء قاسية،
وحروب طويلة بين العشائر.
لكن تلك الأرض امتلكت شيئًا لم تمتلكه الإمبراطوريات نفسها .
الحرية من هيمنة القوى الكبرى.
فلم تخضع الجزيرة للرومان بالكامل،
ولا للفرس بالكامل،
فظلت أرضًا مفتوحة تنتظر فكرة قادرة على توحيدها.
وفي قلب تلك الصحراء،
كانت مكة تقف حول بيت قديم يطوف الناس حوله منذ قرون.
الكعبة التي ارتبطت بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام،
بقيت تحمل داخلها بقايا الذاكرة الأولى للتوحيد، رغم انتشار الوثنية حولها.
وكأن التاريخ كان يحرس هذا المكان لشيء لم يأتِ بعد.
العرب قبل الإسلام،أمة ممزقة لكنها تملك مقومات الانفجار الكبير
العرب لم يكونوا أمة جاهلة كما يتصور البعض ،بل امتلكوا اللغة، والشعر، والبلاغة، والأنساب، والتجارة، والقدرة على الحفظ.
لكن مشكلتهم الكبرى كانت غياب المشروع الجامع.
كل قبيلة تعيش لنفسها،
وكل حرب صغيرة يمكن أن تستمر سنوات طويلة.
وكانت العصبية القبلية أقوى من أي فكرة أخرى.
ورغم انتشار عبادة الأصنام،
لم تختفِ بقايا الحنيفية تمامًا.
فبعض العرب ظلوا يؤمنون بأن لهذا الكون إلهًا واحدًا، ويرفضون عبادة الأحجار، وكأن الفطرة القديمة لم تمت بالكامل.
لماذا كانت مكة مختلفة؟
لم تكن مكة مجرد مدينة تجارية عادية.
فموقعها جعلها نقطة عبور مهمة بين الشمال والجنوب،
كما أن وجود الكعبة منحها مكانة روحية بين القبائل العربية.
ولهذا،
فإن الرسالة حين ستبدأ من هناك، لن تخرج من فراغ، بل من مركز يمتلك تأثيرًا معنويًا داخل الجزيرة كلها.
وكأن القدر كان يرتب المسرح قبل ظهور الشخصية الرئيسية بوقت طويل.
العالم يقترب من لحظة التغيير
كل شيء كان يوحي بأن العالم القديم يقترب من نهايته البطيئة.
الإمبراطوريات متعبة،والعقائد متصارعة،والناس تبحث عن يقين جديد.
وفي تلك اللحظة تحديدًا،كان طفل سيولد في مكة،داخل مجتمع لا يتوقع أحد أن يخرج منه حدث يغيّر مصير البشرية كلها.
لكن التاريخ كثيرًا ما يسخر من توقعات البشر.
فأعظم التحولات لا تبدأ دائمًا من العواصم الكبرى،
بل أحيانًا تبدأ من رجل وحيد يحمل فكرة تغيّر العالم.
ماذا قال القرآن الكريم؟
وصف القرآن حال البشرية قبل البعثة بأنها كانت تعيش حالة ضلال واضطراب روحي، وأن الرسالة جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.
قال تعالى،
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
كما أشار القرآن إلى عالمية الرسالة الجديدة، فقال سبحانه،
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾
وكأن الرسالات السابقة كلها كانت تمهد للحظة التي ستخرج فيها الدعوة الأخيرة إلى العالم كله، لا إلى قوم بعينهم فقط.
ماذا قال المؤرخون؟
يرى عدد من المؤرخين المسلمين، مثل ابن كثير وابن الأثير،
أن العالم قبل البعثة كان يعيش حالة اضطراب غير مسبوقة سياسيًا ودينيًا، وأن ظهور الإسلام جاء في توقيت غيّر توازن التاريخ بالكامل.
كما تحدث مؤرخون غربيون عن أن القرن السادس الميلادي كان مرحلة انتقالية كبرى بين عالم قديم يتفكك وعالم جديد يستعد للولادة.
النهاية التي كانت بداية
لم يكن ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم مجرد حدث داخل مدينة صغيرة في الصحراء،
بل كان بداية انتقال البشرية إلى مرحلة جديدة بالكامل.
مرحلة ستسقط فيها إمبراطوريات،
وتتغير خرائط،
وتخرج أمة من قلب الرمال لتصبح خلال عقود قليلة جزءًا من أعظم التحولات التي عرفها التاريخ.
وكأن العالم كله،بحروبه وصراعاته وتعبه الطويل،
كان يمهد الطريق دون أن يشعر للرجل الذي سيغيّر مسار الزمن نفسه.
في المقال القادم:
الطفل الذي وُلد يتيمًا، كيف تربى محمد صلى الله عليه وسلم داخل مجتمع قاسٍ؟
ولماذا كانت طفولته مختلفة منذ البداية؟
وهل كانت الجزيرة تشعر فعلًا أن شيئًا استثنائيًا يقترب؟
المصادر المعتمدة.
القرآن الكريم
البداية والنهاية — ابن كثير
الكامل في التاريخ — ابن الأثير
تاريخ الرسل والملوك — الطبري
كتب السيرة النبوية ودراسات الجزيرة العربية قبل الإسلام

زر الذهاب إلى الأعلى