مقالات

مجدى طنطاوى يكتب حين يرتدى الجهل ثوب الثقافة

مجدى طنطاوى يكتب حين يرتدى الجهل ثوب الثقافة

مجدى طنطاوى يكتب

حين يرتدى الجهل ثوب الثقافة

السويس إبراهيم ابوزيد

 

 

أعجبتنى الدكتورة رباب المهدى وهى تطرح سؤالا شديد العمق حول سبب رفض بعض المثقفين العلمانيين المصريين لفكرة تعدد الاختلاف حين يقترب الأمر من الدين تحديداشديد العمق حول سبب رفض بعض المثقفين العلمانيين المصريين لفكرة تعدد الاختلاف حين يقترب الأمر من الدين تحديدا.

فالسؤال لم يكن دفاعا عن التشدد ولا دعوة للوصاية الدينية بقدر ما كان دفاعا عن حق المجتمع فى أن يحتفظ بمرجعيته وقيمه دون أن يتعرض للازدراء أو الاتهام بالتخلف.

 

لكن المدهش كان رد الكاتب محمد سلماوى حين أبدى دهشته من لجوء بعض المثقفات إلى سؤال الدين فى بعض الأمور ومعرفة موقفه منها وكأن الرجوع إلى الدين أصبح تهمة أو نقصا فى الثقافة والوعى.

 

ثم جاءت العبارة الأخطر حين تحدث عن ضرورة تعدد المرجعيات وأن المرجعية لا يجب أن تكون دينية فقط بل أخلاقية وفكرية أيضا.

 

وهنا يقف العقل متسائلا:

 

هل الأديان ضد الأخلاق حتى نبحث عن مرجعية أخلاقية بعيدا عنها؟

ومن الذى غرس فى ضمير البشرية قيم الرحمة والعدل والصدق والأمانة واحترام الإنسان إن لم تكن الرسالات السماوية؟

 

ثم ماذا يقصد بالمرجعيات الفكرية؟

هل المقصود أن تصبح الرغبات الشخصية معيارا للحقيقة؟

هل تتحول الشهوة إلى حق لمجرد أن هناك من يطالب بها؟

وهل المطلوب من المجتمعات أن تتخلى عن ثوابتها تحت شعار الحرية والانفتاح؟

 

المفارقة المضحكة أن كثيرا ممن يتحدثون صباح مساء عن الحرية لا يحتملون أبسط صور الحرية حين تكون مرتبطة بالدين.

يتحدثون عن التعددية ثم يغضبون من امرأة تسأل موقف القرآن

ويهاجمون الوصاية الفكرية بينما يمارسون وصاية أكثر قسوة على المجتمع حين يريدون فرض نموذج ثقافى واحد لا يسمح بوجود المرجعية الدينية فى المجال العام.

 

لقد نشأت العلمانية فى أوروبا نتيجة صراع طويل مع الكنيسة التى احتكرت السلطة والعلم والسياسة وقمعت المخالفين.

لكن بعض مثقفينا نقلوا التجربة إلى عالمنا بصورة مشوهة واختزلوا العلمانية كلها فى معاداة الإسلام ذاته لا فى تنظيم العلاقة بين الدين والدولة.

 

هناك علمانية مرنة تقبل حضور الدين فى المجال العام وتحترم هوية المجتمع وتكتفى بالفصل بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية.

وهناك علمانية متشددة تعتبر التدين نفسه عقبة حضارية وتسعى إلى إقصائه من حياة الناس.

 

وللأسف فإن بعض مثقفى بلادنا لم يأخذوا من العلمانية سوى نسختها الأكثر عداء للدين والأكثر صداما مع هوية المجتمع.

 

بل إن مارتن لوثر الذى قاد حركة الإصلاح الدينى فى أوروبا لم يكن يدعو إلى اقتلاع الدين من حياة الناس بل إلى تحريره من استبداد المؤسسة الكنسية.

أما عندنا فقد تحول الأمر عند البعض إلى معركة مفتوحة ضد الإسلام نفسه وضد كل ما يرمز إليه.

 

إن المشكلة ليست فى مناقشة العلمانية كفكرة سياسية قابلة للأخذ والرد.

المشكلة الحقيقية فى جهل بعض من يتحدثون باسمها وفى اعتقادهم أن السخرية من الدين بطولة ثقافية وأن مهاجمة ثوابت المجتمع نوع من التقدم.

 

وأخطر أنواع الجهل هو ذلك الجهل الذى يرتدى ثوب الثقافة ويتحدث بلغة النخبة بينما يفتقد أبسط قواعد المنطق والاتزان.

زر الذهاب إلى الأعلى