حين وُلدت الدولة الأموية من جديد
كيف أنقذ عبد الملك بن مروان دولةً كانت على حافة الانهيار؟
بقلم / محمد مصطفى كامل
ليست أعظم لحظات التاريخ تلك التي تنتصر فيها الجيوش، بل تلك التي تنجو فيها الدول من السقوط.
فالحروب قد تُكسب أرضًا، وقد تُفقدها، لكن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة هو أن تنهار وحدتها، وتتحول قوتها إلى صراع يلتهمها من الداخل.
وحين تصل الدول إلى تلك اللحظة، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يحكم؟ بل هل ستبقى الدولة أصلًا؟
وهذا ما واجهته الدولة الأموية بعد سنوات الفتنة والانقسام.
فقد بدت وكأنها تقترب من نهايتها، قبل أن يظهر رجل لم يكتفِ بإخماد الصراع، بل أعاد بناء الدولة من جذورها، ووضع الأسس التي ستقوم عليها واحدة من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ الإسلامي.
في هذا الفصل من التاريخ من وراء الستار، لا نتتبع سيرة خليفة فحسب، بل نقرأ كيف يمكن للعقول والإدارة وحسن التخطيط أن تغيّر مصير أمة بأكملها.
ليست كل الدول تسقط حين تُهزم في معركة، ولا كل الإمبراطوريات تنهار حين يفقد جيشها انتصارًا.
فبعض الدول تبدأ رحلة سقوطها عندما تنقسم من الداخل، ويتحول الصراع على السلطة إلى صراع يهدد وجود الدولة نفسها، فتضعف المؤسسات، وتتراجع هيبة الحكم، ويصبح مستقبل الأمة معلقًا على قدرة رجل واحد في إعادة جمع ما تفرق.
وهكذا كان حال الدولة الأموية بعد سنوات قليلة من قيامها.
فبعد أن نجح معاوية بن أبي سفيان في إنهاء الفتنة الكبرى، وتوحيد المسلمين تحت راية واحدة، بدت الدولة وكأنها دخلت مرحلة من الاستقرار السياسي. لكن التاريخ كان يخبئ لها اختبارًا أشد قسوة.
فعندما انتقلت الخلافة إلى ابنه يزيد بن معاوية، دخلت الدولة مرحلة من أكثر مراحلها اضطرابًا. ففي عهده وقعت أحداث تركت أثرًا بالغًا في التاريخ الإسلامي، كان من أبرزها مأساة كربلاء، ثم وقعة الحرة، ثم حصار مكة، وهي أحداث وسّعت دائرة الانقسام السياسي، وأشعلت الفتنة الثانية، حتى أصبحت وحدة الدولة نفسها مهددة.
ثم توفي يزيد سنة 64 للهجرة، فتولى ابنه معاوية بن يزيد الخلافة، لكنه لم يمكث فيها إلا زمنًا قصيرًا، لينتهي عهده سريعًا، وتجد الدولة نفسها أمام فراغ سياسي غير مسبوق، بينما أخذ نفوذ عبد الله بن الزبير يتسع في الحجاز والعراق ومصر وأجزاء واسعة من العالم الإسلامي، حتى بدا أن الدولة الأموية توشك أن تختفي من صفحات التاريخ.
وفي تلك اللحظة الحرجة، اجتمع كبار بني أمية وأنصارهم، فبايعوا مروان بن الحكم خليفة للمسلمين. وكان مروان من أكثر رجال البيت الأموي خبرةً في السياسة والإدارة، وقد أدرك أن بقاء الدولة أصبح أهم من أي خلاف آخر. فنجح في إعادة تثبيت الحكم الأموي في الشام، واستعاد تماسكه، وحقق انتصارًا حاسمًا حفظ للدولة وجودها، ومهّد الطريق لمرحلة جديدة. غير أن القدر لم يمهله طويلًا، إذ توفي سنة 65 للهجرة بعد أشهر قليلة من توليه الخلافة.
وهكذا انتقلت المسؤولية إلى ابنه عبد الملك بن مروان، خامس خلفاء بني أمية.
ولم يكن عبد الملك قائدًا عسكريًا اشتهر بفتوحاته قبل أن يصبح خليفة، بل عُرف في شبابه بالعلم والفقه ورجاحة العقل، حتى عده كثير من أهل عصره من فقهاء المدينة. غير أن الأحداث العاصفة نقلته من مجالس العلم إلى ميدان السياسة، ليجد نفسه مسؤولًا عن دولة تتداعى من كل جانب، وولايات خرج بعضها عن سلطان دمشق، وخزينة أنهكتها الحروب، وجبهات مفتوحة، وانقسام يهدد وحدة المسلمين.
ولم يكن يرث دولة مستقرة، بل كان يرث مشروع دولة يبحث عن البقاء.
ومن هنا تبدأ واحدة من أهم صفحات التاريخ الإسلامي؛ صفحة لم يكن عنوانها التوسع والفتوحات، بل إعادة بناء الدولة نفسها، وترميم مؤسساتها، واستعادة هيبتها، وتحويل سنوات الفوضى إلى بداية عصر جديد.
ولم يكن عبد الملك يرث دولة مستقرة، بل كان يرث دولة نجت من السقوط، لكنها لم تستعد عافيتها بعد.
لقد نجح مروان بن الحكم في الحفاظ على بقاء الدولة الأموية ومنع انهيارها، لكن المهمة الأصعب بقيت تنتظر خليفته؛ فاستعادة الدول بعد الحروب الأهلية لا تتحقق بانتصار عسكري واحد، بل بإعادة بناء مؤسساتها، وترميم إدارتها، وتوحيد سلطتها، واستعادة ثقة الناس بها.
وكان هذا هو التحدي الحقيقي الذي واجهه عبد الملك بن مروان؛ إذ لم يكن مطالبًا بإخماد الفتنة فحسب، بل بإقامة دولة تستطيع أن تصمد بعد أن أنهكتها سنوات الانقسام. ومن هنا بدأت واحدة من أهم تجارب بناء الدولة في التاريخ الإسلامي، تجربة لم تغيّر حاضر الدولة الأموية فحسب، بل رسمت ملامح ازدهارها لعقود تالية.
حين تولى عبد الملك بن مروان الخلافة سنة 65هـ، لم يكن أمامه عرش مستقر، بل دولة ممزقة بين أكثر من مركز للسلطة، وولايات يهددها الانفصال، وخصوم يرون أن الحكم الأموي قد انتهى إلى غير رجعة.
وكان يدرك أن استعادة الدولة لن تتحقق بالشعارات، ولا بمجرد الانتصارات العسكرية، وإنما بإعادة بناء السلطة على أسس جديدة، تعيد للدولة هيبتها، وتمنحها القدرة على الاستمرار.
ولهذا بدأ أولًا بتثبيت أركان الحكم في الشام، باعتبارها القلب السياسي والعسكري للدولة الأموية، ثم أعاد تنظيم الجيش، ورتب الإدارة، وهيأ الدولة لمواجهة طويلة، لأنه كان يعلم أن الصدام الحاسم لم يحن أوانه بعد.
وفي تلك المرحلة، ظل أخطر منافسيه هو عبد الله بن الزبير .
لكن عبد الملك بن مروان لم يكن من أولئك الذين يخوضون المعارك بدافع الحماس وحده.
كان يدرك أن الدول لا تُدار بردود الأفعال، وأن الحروب التي تُخاض قبل اكتمال الاستعداد قد تُسقط ما تبقى من هيبة الدولة. لذلك آثر الصبر، وأمضى سنواته الأولى في تثبيت أركان حكمه داخل الشام، وإخماد بؤر التمرد القريبة، وإعادة تنظيم الجيش، وتأمين الموارد المالية، حتى تصبح الدولة قادرة على خوض المعركة الفاصلة.
وكان يعلم أن أخطر منافسيه هو عبد الله بن الزبير، الذي اتخذ مكة المكرمة مركزًا لخلافته، وبايعته أقاليم واسعة من العالم الإسلامي، حتى بدا لكثير من معاصري تلك المرحلة أن الدولة الإسلامية قد انقسمت إلى سلطتين متنافستين، لكلٍّ منهما أنصارها ونفوذها وادعاؤها بالشرعية.
وحين رأى عبد الملك أن ميزان القوى بدأ يميل لصالحه، اتخذ قراره بالمواجهة الحاسمة.
ولم يختر لهذه المهمة قائدًا عاديًا، بل عهد بها إلى أحد أكثر رجاله حزمًا وقدرة على فرض النظام، رجل سيظل اسمه محل جدل بين المؤرخين إلى يومنا هذا.
إنه الحجاج بن يوسف الثقفي.
قاد الحجاج الحملة نحو الحجاز، وبعد حصار طويل انتهت المواجهة سنة 73 للهجرة بمقتل عبد الله بن الزبير، فعادت مكة إلى سلطة الدولة الأموية، وانتهى الانقسام السياسي الذي أنهك المسلمين سنوات طويلة، واجتمعت الدولة مرة أخرى تحت راية خليفة واحد.
لكن عبد الملك كان يرى أن هذا الانتصار ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
فقد أدرك أن السيف يستطيع أن يوحد الأرض، لكنه لا يكفي لبناء دولة قادرة على البقاء. أما الاستقرار الحقيقي، فلا يتحقق إلا حين تصبح للدولة مؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وهوية سياسية واضحة.
ومن هنا بدأ المشروع الأكبر في حياته.
لم ينشغل عبد الملك بإخماد الثورات فحسب، بل اتجه إلى إعادة صياغة الدولة من الداخل، لتصبح أكثر تماسكًا واستقلالًا.
وكان أول هذه التحولات تعريب الدواوين.
فقد كانت سجلات الدولة، بحكم اتساعها ووراثتها لأنظمة الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية، تُكتب بلغات متعددة، مثل اليونانية في بلاد الشام، والفارسية في العراق، والقبطية في مصر.
ورغم أن هذا النظام كان يؤدي وظيفته، فإنه أبقى الإدارة موزعة بين ثقافات ولغات مختلفة.
فأصدر عبد الملك قراره التاريخي بجعل العربية اللغة الرسمية للدواوين في أنحاء الدولة.
ولم يكن القرار مجرد تغيير للغة الكتابة، بل كان تحولًا حضاريًا وإداريًا عميقًا، وحّد أجهزة الدولة، وقرّب الإدارة من المجتمع، ورسّخ الهوية العربية الإسلامية للدولة الأموية.
ثم انتقل إلى خطوة أخرى لا تقل أهمية.
ففي ذلك العصر كانت الأسواق الإسلامية لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على العملات البيزنطية والفارسية، وهو ما أبقى جانبًا من الاقتصاد مرتبطًا بالقوى الكبرى المحيطة بالدولة.
فأمر عبد الملك بسك عملة إسلامية مستقلة، تحمل طابع الدولة الإسلامية ورموزها، لتصبح للمسلمين سيادتهم النقدية، ويكتمل بذلك أحد أهم مظاهر الاستقلال السياسي والاقتصادي.
ولم تتوقف إصلاحاته عند الإدارة والاقتصاد.
فقد اهتم أيضًا بإظهار القوة الحضارية للدولة الإسلامية، فشهد عهده تشييد قبة الصخرة في القدس، ذلك الصرح المعماري الذي لم يكن مجرد بناء مهيب، بل رسالة حضارية تؤكد حضور الدولة الإسلامية وثقتها بنفسها، ولا يزال شاهدًا على تلك المرحلة حتى يومنا هذا.
ومع مرور السنوات، بدأت نتائج هذه الإصلاحات تظهر بوضوح.
فعادت هيبة الدولة، وانتظمت مواردها، واستقرت ولاياتها، وأصبحت الإدارة أكثر كفاءة، والجيش أكثر تنظيمًا، بعد أن كانت الدولة قبل سنوات قليلة تقف على حافة التفكك.
ولم تكن تلك الإصلاحات مجرد قرارات إدارية نجحت في زمانها، ثم انتهى أثرها بانتهاء عهد صاحبها، بل أصبحت الأساس الذي قامت عليه الدولة الأموية في أوج قوتها.
فالاستقرار الذي تحقق في عهد عبد الملك، والإدارة التي أعاد تنظيمها، والجيش الذي أعاد بناءه، والموارد التي أحكم إدارتها، جميعها مهّدت الطريق لمرحلة جديدة من تاريخ المسلمين. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تشهد الدولة في عهد ابنه الوليد بن عبد الملك اتساعًا غير مسبوق، فتبلغ الفتوحات الإسلامية أقصى امتداد لها شرقًا وغربًا، وتدخل مرحلة تُعد من أعظم مراحلها السياسية والحضارية.
ولهذا يرى كثير من المؤرخين أن عبد الملك بن مروان لم يكن مجرد خليفة نجح في تجاوز أزمة عابرة، بل كان رجل الدولة الذي أعاد صياغة الدولة الأموية من جذورها.
فقد تسلّم دولة أنهكتها الفتن، وتنازعها أكثر من مركز للسلطة، وتعرضت مؤسساتها للاهتزاز، وكادت تخرج من مسرح التاريخ، ثم تركها بعد واحد وعشرين عامًا دولة موحدة، ذات إدارة مركزية قوية، وعملة مستقلة، وجيش منظم، وسلطة تمتد من أطراف المشرق إلى أطراف المغرب.
ولعل أعظم ما يميز عبد الملك أنه أدرك أن بقاء الدول لا يتحقق بالانتصارات العسكرية وحدها، وإنما بوجود مؤسسات تستطيع أن تصمد بعد رحيل الحكام. فالقادة قد يصنعون النصر، لكن المؤسسات هي التي تحفظه، وهذه الحقيقة كانت جوهر المشروع الذي كرّس له حياته.
ومع ذلك، فإن أي مشروع سياسي كبير لا ينهض بشخص واحد، مهما بلغت حكمته أو قدرته. فالرؤية تحتاج إلى رجال يحسنون تنفيذها، ويملكون من الحزم ما يمكّن الدولة من فرض سلطتها، ومن الكفاءة ما يحول القرارات إلى واقع.
وكان من أبرز هؤلاء الرجال والي العراق، الذي ارتبط اسمه بأكثر مراحل الدولة الأموية قوةً، وفي الوقت نفسه بأكثرها إثارةً للجدل.
اختلف الناس فيه منذ عصره، ولا يزال الجدل حوله قائمًا إلى يومنا هذا؛ فمنهم من رآه رمزًا للقسوة والبطش، ومنهم من عدّه رجل دولة استطاع أن يفرض النظام ويحفظ كيان الدولة في زمن كثرت فيه الفتن والاضطرابات.
ذلك الرجل هو الحجاج بن يوسف الثقفي.
فمن هو الحجاج حقًا؟
وهل كان مجرد والٍ شديد البطش كما تصوره بعض الروايات، أم كان أحد أبرز رجال الإدارة والسياسة في التاريخ الإسلامي؟ وهل يمكن فهم شخصيته بعيدًا عن ظروف عصره، أم أن الحكم عليه لا يكتمل إلا بقراءة المرحلة التي عاش فيها؟
هذا ما سنحاول استكشافه في الفصل القادم من سلسلة التاريخ من وراء الستار، حيث نقترب من واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي، لنقرأ سيرتها بعيدًا عن التهويل أو التبرير، وبعينٍ تبحث عن الإنسان، والسياسي، ورجل الدولة، كما تصنعه الوقائع لا الانطباعات.






