دستور الشفاهية: كيف تحكمنا الأمثال الشعبية دون أن ندري؟
بقلم: عبد المجيد عبوبي
سلطة هادئة بلا جيوش
تخيل أن هناك دستوراً خفياً يُسَيّر أفكارنا، ويوجه قراراتنا، ويبرر خيباتنا، دون أن نحتاج لفتح كتاب أو مراجعة بند قانوني. هذا الدستور الشفهي ليس سوى “الأمثال الشعبية”؛ تلك الكلمات الوجيزة التي اختزلت خبرات قرون، لتتحول مع الوقت إلى “حكمة أزلية” تتوارثها الأجيال عبر العالم.
سر النفوذ وسهولة العبور
تكمن قوة المثل الشعبي في كونه “مُقتطعاً معرفياً جاهزاً”؛ يمنح الفرد نصيحة سريعة ويُجنبه عناء التفكير المعقد أمام المواقف الطارئة. تنتشر الأمثال كالنار في الهشيم بفضل إيقاعها الموسيقي، وسجعها السهل الحفظ، وقدرتها الفائقة على التكيف مع مختلف الأزمنة والمجتمعات.
بين شرطي المجتمع وحيلة النفس
في علم الاجتماع، يُنظر إلى المثل بوصفه “شرطياً خفياً” لحفظ النظام وقواعد السلوك؛ فهو يحدد للمرء المسموح والممنوع، ويُرسخ قيم التعاون والحذر. أما علم النفس، فيرى فيه أداة ذكية للدفاع النفسي؛ فنحن نلوذ بالمثل لنرمم انكساراتنا عند الخيبة، كأن نقول “كل تأخيرة فيها خيرة” لنهدئ عقولنا أمام ما لا نملك تغييره.
حكمة أزلية أم أداة للسيطرة؟
غير أن هذه الحكمة ليست بريئة دائماً. فقد كشفت مفكرات وسوسيولوجيات، وفي مقدمتهن الراحلة فاطمة المرنيسي، كيف أن بعض هذه الأمثال يُستغل كأداة ناعمة للسيطرة؛ حيث تُعيد الثقافة الشفهية إنتاج الهيمنة الذكورية وتدجين المرأة، وتأطير دورها الاجتماعي تحت غطاء “كلام الأجداد الذي لا يُرد”.
نحو وعي نقدي بالتراث
إن الأمثال الشعبية ذاكرة حية ورصيد إنساني غني، لكن التزامنا بها لا ينبغي أن يكون أعمى. نحتاج اليوم إلى خوض تجربة نقدية واعية؛ لنستبقي منها ما يرسخ القيم الإيجابية ويدفع نحو العمل والأمل، ونتجاوز ما يعوق التفكير ويسجننا في الماضي.








