صرخة عقل في زمن الانحدار الفكري.
سقوط التكريم الآدمي في فخ الماديات:
كيف تبيع الرأسمالية الأقنعة لعقول طارت مع الوهم؟
بقلم : الشاعر والأديب عبد العظيم كحيل
لقد كرّم الله سبحانه وتعالى بني آدم، ورفعه بالعقل عن سائر المخلوقات، وجعل هذا العقل ميزاناً للحق،
وأداة لرفض الوهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
والمعلوم في المنطق الإنساني والسليم أن ☆ الفكر الصحيح هو الفكر المطابق للواقع☆.
ولكن، عندما ننظر إلى واقع البشرية اليوم، نجد انحرافاً فكرياً وسلوكياً غريباً، يحوّل الإنسان من كائن مكرّم إلى مخلوق يصنع من السخافة الفكرية ما يجعل فكره أبسط وأقل وعياً من الحيوان ذاته!
إن الحيوانات في الطبيعة تسير، وتصطاد، وتكافح بجدية مطلقة لتأمين رزقها، وتعيش في يقظة دائمة خوفاً من المفترسين.
الحيوان لا يعيش في الأوهام،
ولا يخترع أشباحاً وخرافات ليخاف منها، بل يتعامل مع واقعه الفطري كما هو. أما الإنسان، فيصرف غريزة التدين الفطرية فيه بانحرافات لا يصدقها عقل؛ فتراه يقدس فأراً، أو يعبد بقرة،
أو يسجد لصنم صنعه بيده،
متجاهلاً هذا الوجود العظيم بمليارات مجراته ونشأته الإعجازية التي تدل على خالق واحد عظيم. فأين الواقعية وأين العقل في أن يعيش الإنسان وهماً وكذباً لا يقبله الحيوان ولا يشعر به؟
يمتد هذا الانحدار من المعتقدات الخرافية إلى السلوكيات الترفيهية والتجارية الحديثة،
مثل ما نراه في “الهالوين” وغيره من المناسبات. فقد تحولت خرافة الإنسان القديم وجاهليته—حين كان يتنكر لطرد الشياطين والجان والأوهام التي تعشش في رأسه—إلى تجارة يستغلها أصحاب الأموال تحت شعار “التجارة شطارة”. وأصبح تنكر الإنسان، ولو تشبه بحمار أو وضع رأساً من يقطين وجعل نفسه كأشكال الشياطين،
يُسوق له كمتعة وترفيه! وتصرف الناس بغوغائية وكأن عقولهم طارت مع من نسب إليهم هذه القصص الخرافية، فغابت الواقعية وحلّت التفاهة التي تُقاد بالدعاية والإعلان، حيث يشتري الإنسان المعاصر قناعه بماله ليثبت لنفسه أنه تابع ومسير!
والأدهى من ذلك، أن هذا الإنسان الذي كرمه الله، أصبح يمارس سلوكيات تضر بوجوده؛ فيتعاطى المخدرات، ويطيع قادة معتوهين يصنعون الحروب ويقتلون الإخوة في الإنسانية لمجرد القتل والسيطرة. في حين أن الحيوان لا يقتل إلا ليأكل، نجد الإنسان يقتل أخاه الإنسان بلا حس ولا إحساس، مثل الوحوش والسباع، متجاهلاً آلام الجوع، والحزن، والحرمان التي يعيشها الملايين، غافلاً عن التوجيه النبوي الشريف الذي يعيد صياغة المشاعر الإنسانية، حيث قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
وفي مفارقة صارخة،
تُصرف المليارات على هذه التفاهات، وعلى رفاهية حيوانات مدللة،
بينما هناك عائلات تموت من الجوع والمرض، وتعيش مشردة في الخيام أو تنام في القبور وعلى الطرقات.
إن هذه المليارات التي تضيع في أسواق الترفيه الأجوف والتجارة المستغلة للبسطاء، كانت كفيلة بأن تطعم جائعاً، وتكسو عرياناً، وتبني بيوتاً للمشردين، امتثالاً لقوله تعالى في الحث على التضامن والرحمة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وقول النبي ﷺ الواضح القاطع: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ». فأين أنت يا من تدعي أنك إنسان تمتاز عن سائر خلق الله،
بينما تصرفاتك تجعلك من أبشع المخلوقات على الأرض؟
بالتأكيد لا نعمم؛ فما زال هناك من في قلوبهم رحمة وحب لأخيهم الإنسان، ولكن الغالبية في هذه الأيام استسلمت للماديات والأنانية.
نرى أشخاصاً يملكون مئات المليارات وهم على حافة قبورهم، لا يرى أحدهم إلا نفسه ومظاهره التافهة. متناسين الحقيقة المطلقة: ماذا سيأخذ الإنسان معه في النهاية؟
لن يأخذ سوى بضعة أمتار من قماش الكفن، وجسدٍ تأكله النار أو يواريه التراب ليتلاشى في هذا الكون.
حان الوقت لكي يستيقظ العقل الإنساني من أوهامه، ويعود إلى واقعيته المنسجمة مع تكريم الله له،
بدلاً من الركض وراء خرافات وتفاهات تصنع منها التجارة أصناماً جديدة.








