عندما ينبض التاريخ بلا اعتذار:
رباط الدم والوجدان بين مصر والمغرب
بقلم: عبد المجيد عبوبي
رئيس المجلس الوطني لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية بالمغرب
أيها السادة، إن التاريخ ليس حبراً ميتاً على رَفوف المكتبات، ولا قصصاً نرويها لنزجي بها وقت السمر، بل هو دمٌ يسري في العروق، وبركانٌ خامد متى ما لامسته ريح العروبة والأصالة، استعر لهيباً. دعونا نكون صرحاء، ونكف عن لغة المجاملات الدبلوماسية الباردة؛ إن العلاقة بين المغرب ومصر ليست مجرد شراكة عابرة بين دولتين، بل هي حبل سري مقطوع من أوردة التاريخ، وآصرة دموية وروحية لا تستطيع أعتى العواصف قطعها.
لكن العجب كل العجب، أن نرى اليوم من أبناء الأمتين من ينسى، أو يتطاول عليه النسيان، وكأن الجغرافيا استطاعت أن تفصل ما جمعته عقود من المصير المشترك والرباط المقدس!
رفاق الدرب.. حين التقى محمد الخامس بعبد الناصر
سؤال أطرحه على كل مغربي ومصري يرتضي لنفسه السذاجة السياسية: هل تظنون أن صورة الزعيمين الخالدين، الملك محمد الخامس بطل التحرير، وإلى جانبه الزعيم جمال عبد الناصر، كانت مجرد صدفة بروتوكولية؟
كلا وألف كلا! تلك الصور التي زيّنت بيوت أجدادنا في المغرب، وكانت تنبض بالعزة والكرامة، لم تكن سوى ترجمة بصرية لرباط دموي نقي. كان المغرب الغربي يشم ريح الكرامة المشرقية، وكانت القاهرة الفاطمية، عبر أثير “صوت العرب”، المنارة التي تضيء ليالي المغرب الحالم بالحرية والخلاص من الاستعمار.
ألم تكن ح حناجر المغاربة تهتز مع كل نبرة صادرة من مصر الشبيبة والتحرر؟ بلى والله! لقد كانت مصر حاضرة في بيوتنا، تماماً كما كان المغرب حاضراً في وجدان الأحرار على ضفاف النيل.
مسالك الأولياء ودروب الحج: حين التقى الطين بالروح
من يتخيل أن العلاقة ولدت مع فضائيات القرن الحادي عشر فهو جاهل بحقيقة الأيام. اسألوا صحراء سيناء، واسألوا دروب الصعيد والفسطاط والإسكندرية، عن أقدام الحجاج المغاربة الذين أكلوا من طين مصر وشربوا من نيلها، فاستوطنوها ولم يستوطنوا سواها.
أين أنتم من رواق المغاربة في الأزهر الشريف؟ أليس هو الشاهد الحي على أن علماء المغرب وأولياؤهم وزنوا عقول مصر بمداد العلم والتقوى؟
حين يُذكر التصوف، يرتسم طيف الإمام الشاذلي ليملأ الدنيا سحراً روحياً يمتد من أقصى طنجة إلى محطة الإسكندرية.
وحين يُفتح سجل الأولياء، تجد الأسماء المغربية مزروعة في تربة الكنانة كأنها نخيل باسق لا تهزه الريح.
فنانو الأصول والذاكرة الحية
لا تتفاجأوا حين تجدون الأصول المغربية تنبض في قلب الفن والوجدان المصري الأصيل؛ فالفنان الكبير محمد الحلو، والقدير عبد العزيز مخيون، وغيرهم المئات ممن جرت في عروقهم دماء الأطلس لتبدع على ضفاف النيل، ليسوا سوى دليل حي على أن التلاحم البشري بيننا أعمق من كل الحدود المصطنعة. إنهم يمثلون تلك الذاكرة الحية التي ترفض أن تنطمس، وتصرخ في وجه كل محاولات التسطيح والقطيعة.
رسالة إنذار.. أيها المصري، أيها المغربي:
إلى كل من يظن أن بإمكانه العبث بهذه الأخوة، أو إلهاء الشعبين الشقيقين بتفاهات اللحظة ومناكفات السياسة العابرة: اصحوا من غفلتكم!
التاريخ يراقبكم، والأجداد الذين حفروا هذا الرباط بالدم والتقوى والتضامن ينظرون إليكم من عليائهم. المغرب ليس طارئاً على مصر، ومصر ليست غريبة عن المغرب. نحن أمة واحدة، إن اشتكى منها عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
آن الأوان لننفض عنا غبار التردد، ونستحضر هذا التاريخ بكل قوته وجبروته، لنقف صفاً واحداً في وجه كل من يراهن على تفتيت وجداننا العربي والإسلامي.
استيقظوا.. فالأصل واحد، والدم واحد، والمصير واحد، ولن يستطيع كائن من كان أن يغير ما كتبه التاريخ على ألواح الفخر والكرامة!
فريد الاطرش وأغنيته …بساط الريح …لازالت استنشق ريح مراكش…







