التغيرات المناخية والزلازل..
هل يعيد المناخ تشكيل خريطة المخاطر الجيولوجية؟
بقلم: د. رشا ربيع الجزار
لم تعد التغيرات المناخية قضية مرتبطة فقط بارتفاع درجات الحرارة، أو موجات الجفاف، أو الفيضانات، وارتفاع مستوى سطح البحر، بل أصبحت ظاهرة مركبة تتداخل آثارها مع العديد من النظم الطبيعية، وتفرض علينا إعادة التفكير في العلاقة بين المناخ وبقية مكونات النظام الأرضي.
ومن بين الأسئلة العلمية التي بدأت تفرض نفسها بقوة: هل يمكن أن تكون للتغيرات المناخية علاقة بزيادة النشاط الزلزالي؟ وهل يستطيع تغير المناخ أن يؤثر في استقرار بعض الصدوع الأرضية؟
والإجابة العلمية الدقيقة هي أن الزلازل التكتونية الكبرى لا يمكن اعتبارها نتيجة مباشرة للتغير المناخي؛ فهي ترتبط أساسًا بحركة الصفائح التكتونية وتراكم الإجهادات داخل القشرة الأرضية. لكن هذا لا يعني انعدام أي علاقة بين التغيرات المناخية وبعض أشكال النشاط الزلزالي، إذ يمكن لبعض التغيرات السريعة في توزيع المياه والكتلة على سطح الأرض أو داخلها أن تغير الضغوط والإجهادات في مناطق محددة، وقد تعمل في بعض الحالات كعامل مساعد على تحفيز نشاط زلزالي موجود أصلًا.
ذوبان الجليد.. عندما تتغير أحمال القشرة الأرضية
يمثل ذوبان الجليد أحد أهم المسارات التي تستحق الدراسة. فعندما تفقد المناطق الجليدية كميات هائلة من الجليد، يتغير الحمل الواقع على القشرة الأرضية، وتبدأ الأرض في الاستجابة تدريجيًا لهذه التغيرات.
وهنا يظهر مفهوم التوازن الأرضي أو الارتداد القشري، حيث يمكن للقشرة الأرضية أن ترتفع أو تعيد توزيع الإجهادات بعد إزالة كميات كبيرة من الكتلة الجليدية.
ولا يعني ذلك أن ذوبان الجليد سيؤدي تلقائيًا إلى وقوع زلازل، وإنما قد يغير حالة الإجهاد في مناطق تحتوي أصلًا على صدوع نشطة، بما يجعلها أكثر حساسية لبعض عمليات الانزلاق أو إعادة التنشيط.
الماء.. حلقة الوصل بين المناخ والنشاط الزلزالي
الماء يمثل عنصرًا بالغ الأهمية في فهم هذه العلاقة.
فالتغير المناخي يرتبط بتغير أنماط هطول الأمطار، وتكرار موجات الجفاف والفيضانات، وتغير معدلات تغذية المياه الجوفية واستنزافها. وهذه التحولات يمكن أن تغير الضغوط داخل المسام والشقوق الموجودة في الصخور.
وقد أثبتت الدراسات الجيولوجية أن ضغط السوائل داخل الصخور يمكن أن يؤثر في استقرار الصدوع؛ ولذلك فإن تغير الضغط المسامي في ظروف جيولوجية معينة قد يساهم في تقريب صدع موجود أصلًا من حالة الانزلاق. وهذا المبدأ معروف أيضًا في دراسة الزلازل المستحثة المرتبطة بحقن السوائل أو الخزانات المائية.
من المهم هنا التأكيد على أن هذا لا يعني أن الأمطار الغزيرة أو موجة حر تستطيع بمفردها “صناعة” زلزال تكتوني كبير، وإنما يتعلق الأمر بتغيرات فيزيائية دقيقة قد تؤثر في توقيت أو احتمالية نشاط بعض الصدوع الحساسة.
ارتفاع مستوى سطح البحر.. حمل جديد على النظام الأرضي
مع ارتفاع مستوى سطح البحر نتيجة الاحترار العالمي وذوبان الجليد، تتغير كميات المياه التي تضغط على بعض المناطق الساحلية. وفي المقابل، يؤدي استنزاف المياه الجوفية إلى تغيرات أخرى في الكتلة والضغط تحت سطح الأرض.
وقد أثبتت الدراسات أن استنزاف المياه الجوفية عالميًا يؤدي إلى نقل كميات هائلة من المياه من اليابسة إلى المحيطات، وهو ما يساهم أيضًا في ارتفاع مستوى سطح البحر.
وهنا تتضح طبيعة المشكلة: المناخ لا يعمل منفردًا، بل يعيد توزيع الماء والكتلة والضغط داخل النظام الأرضي، وهي عوامل يمكن أن تتفاعل مع النشاط الجيولوجي في مناطق معينة.
الزلازل نفسها تكشف علاقة قوية بالمياه الجوفية
المفارقة العلمية المثيرة أن العلاقة بين الزلازل والمياه ليست في اتجاه واحد.
فالزلازل الكبيرة يمكن أن تؤدي إلى تغيرات ملحوظة في مستويات المياه الجوفية، وقد رصدت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تغيرات في مناسيب المياه داخل الآبار بعد زلازل بعيدة عن مواقعها، نتيجة تأثير الموجات الزلزالية في الصخور والضغوط والسوائل الموجودة تحت سطح الأرض.
وهذا يوضح أن النظام المناخي والهيدرولوجي والجيولوجي مترابط بصورة أكثر تعقيدًا مما قد يبدو للوهلة الأولى.
الخطر الحقيقي.. ليس في زلزال واحد بل في “المخاطر المركبة”
المشكلة الأكبر التي ينبغي أن نهتم بها ليست إثبات أن تغير المناخ “يصنع الزلازل”، فهذا التوصيف سيكون مبالغة علمية، وإنما فهم كيفية تداخل الأخطار.
ففي المناطق الساحلية مثلًا، يمكن أن يجتمع ارتفاع مستوى سطح البحر مع هبوط الأرض الناتج عن زلزال قوي، فتتضاعف مخاطر الفيضانات بصورة كبيرة.
وقد أظهرت دراسة حديثة أن الزلازل الكبرى في منطقة كاسكاديا، على الساحل الشمالي الغربي للولايات المتحدة، يمكن أن تسبب هبوطًا مفاجئًا للسواحل، وعندما يتزامن ذلك مع ارتفاع مستوى البحر الناتج عن تغير المناخ، يمكن أن تتسع مناطق الفيضانات بدرجة كبيرة.
وهنا ننتقل من مفهوم “الخطر المنفرد” إلى مفهوم أكثر أهمية في علوم المستقبل، وهو الخطر المركب؛ حيث لا تكون المشكلة في حدوث زلزال أو ارتفاع حرارة أو فيضان بشكل منفصل، وإنما في تفاعل أكثر من خطر في المكان والزمان نفسيهما.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة العربية؟
بالنسبة إلى مصر والمنطقة العربية، فإن أهمية هذه القضية لا تكمن في إطلاق توقعات مخيفة حول حدوث زلازل بسبب التغير المناخي، وإنما في ضرورة تطوير منظومة متكاملة لرصد المخاطر الطبيعية والمناخية.
فالمستقبل يتطلب الربط بين بيانات الزلازل، والمياه الجوفية، والتغيرات الساحلية، وارتفاع مستوى البحر، وهبوط سطح الأرض، والظروف المناخية، والاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم قيمة كبيرة من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات الجيولوجية والمناخية والهيدرولوجية، واكتشاف الأنماط المكانية والزمانية التي قد يصعب رصدها بالوسائل التقليدية.
من التنبؤ بالكارثة إلى فهم شبكة المخاطر
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو اختزال العلاقة بين المناخ والزلازل في عبارة بسيطة مثل: “التغير المناخي يسبب الزلازل”؛ فهذه العبارة لا تعكس التعقيد العلمي للمسألة.
والأكثر دقة أن نقول إن التغيرات المناخية قد تغير بعض الظروف الفيزيائية والهيدرولوجية والميكانيكية التي يمكن أن تتفاعل مع النشاط الزلزالي في مناطق محددة، بينما تظل الزلازل التكتونية الكبرى مرتبطة أساسًا بالعمليات الجيولوجية وحركة الصفائح الأرضية.
إن فهم هذه العلاقة لا يمثل ترفًا علميًا، بل أصبح ضرورة في عصر تتزايد فيه المخاطر المركبة.
فالأرض لا تعمل في جزر منفصلة؛ المناخ يؤثر في المياه، والمياه تؤثر في الضغوط الأرضية، والضغوط تتفاعل مع الصدوع، والزلازل قد تعيد بدورها تشكيل المياه والسطح والبيئة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يسبب تغير المناخ الزلازل؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف سيعيد تغير المناخ تشكيل خريطة المخاطر الطبيعية، وكيف نستطيع أن نفهم التفاعلات بين هذه المخاطر قبل أن تتحول إلى كوارث؟
وهنا تبدأ مسؤولية العلم.. ليس في نشر الخوف، وإنما في بناء المعرفة، وتحسين الرصد، وتطوير الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع عالم تتزايد فيه المخاطر المركبة.







