أدب وثقافةقصص قصيرة
فرق توقيت, قصة قصيرة بقلم: محمد سعد شاهين
فرق توقيت
بقلم: محمد سعد شاهين
في تلك العتمة الخانقة التي كانت تبتلع الغرفة، حيث الضوء لا يجرؤ على الدخول إلا كخيط رفيع يتسلل من شقٍّ عنيد في الستارة الثقيلة، جلست “نهى” على حافة سريرها، وكأنها تجلس على حافة الهاوية. لم يكن الصمت يملأ المكان فحسب، بل كان يتردد صداه في أعماق روحها، بينما كان رأسها يعجّ بضجيج لا يُحتمل؛ سمفونية مؤلمة من أصوات الماضي، ووجوهٍ غادرت بلا عودة، وكلماتٍ قاسية حُفرت في ذاكرتها كوشمٍ لا يُمحى.
مدّت يدها المرتعشة، التي بدت وكأنها تحمل ثقل السنين، نحو الزجاجة الصغيرة الباهتة الموضوعة على الطاولة الخشبية. لم تكن هذه اللحظة وليدة قرارٍ عابر، بل كانت تتويجًا لسنواتٍ طويلة من التآكل البطيء الذي نخر في كل زاوية من كيانها. كل شيءٍ فيها كان قد اهترأ، ثقتها بنفسها التي تلاشت كرماد، أحلامها التي تبخرت كسراب، وحتى قدرتها على البكاء التي جفت ينابيعها.
همست لنفسها بصوتٍ خافت، بالكاد يُسمع، كأنها تعلن استسلامها الأخير:
_”انتهى الأمر… لم يعد هناك ما يُنتظر.”
بدأت الحكاية منذ زمن بعيد، في اليوم الذي فقدت فيه والدها فجأة. لم يكن مجرد أب، بل كان مرساها الوحيد في بحر الحياة . بعد رحيله، تحول البيت إلى كهفٍ بارد، وغرقت الأم في صمتٍ مطبق، كأنها فقدت مع الأب القدرة على منح الحنان. ثم توالت الخيبات كأمواج متلاطمة، تضرب شاطئ روحها الهش. فشلت في تحقيق حلمها بالدراسة في الكلية التي عشقتها، رغم اجتهادها الذي أضناها. صديقتها الوحيدة، التي كانت تعتبرها توأم روحها، خانت ثقتها وسرّبت أسرارها كأوراق الخريف. والشاب الذي وهبته قلبها… اختار غيرها، ببرودٍ مؤلم ترك ندبة عميقة في صدرها.
كانت كل ضربة من هذه الضربات كفيلة بتحطيم إنسان، لكنها كانت تصمد… أو هكذا ظنت، حتى جاء اليوم الذي اتخذت فيه قرارها الأخير، قرارًا لا رجعة فيه.
فتحت الزجاجة، ومدّت يدها، وهذه المرة لم يساورها أي تردد. ابتلعت الحبوب واحدة تلو الأخرى، لا لتُسكت جسدًا، بل لتُسكت أصواتًا صاخبة كانت تعصف بداخلها. لم تشعر بطعمها المر، ولا بعددها الذي لا يُحصى… فقط شعرت بثقلٍ غامض يتسلل إلى صدرها، كأن الليل نفسه يستقر في أعماقها. جلست على الأرض الباردة، وبدأ العالم من حولها يتباطأ، يتحول إلى لوحة ضبابية.
رنّ الهاتف، صوته اخترق الصمت، لكنها لم تُجب. حاولت أن تتحرك، لكن أطرافها لم تعد تُطيعها، كأنها انفصلت عن جسدها. استمر الهاتف في الرنين، بإلحاحٍ غريب.
ردت بصوت واهن:
_ألو؟
جاء صوتٌ متردد من الطرف الآخر، صوتٌ بدا وكأنه قادم من عالم آخر:
_آنسة نهى؟ أنا دكتورة هالة، آسفة على الإزعاج، لكني حصلت على رقمك من الجامعة…
صمتت نهى، غير مستوعبة، عاجزة عن النطق، وكأن الكلمات قد تبخرت من فمها.
جاءها صوت د.هالة:
_كنتِ قد تقدمتِ لمنحة العام الماضي.
بصوت خافت ضعيف، بالكاد خرج من حنجرتها، تمتمت:
_أجل… لكن رُفضت.
جاء الصوت متحمسًا، يحمل في طياته بصيص أمل:
_كان هناك خطأ إداري. ملفك لم يُراجع أصلًا. راجعناه اليوم… وتم قبولك. لديك فرصة للسفر خلال شهر.
سقطت الزجاجة من يدها، محدثة صوتًا خافتًا في صمت الغرفة. لم تستوعب بعد، حتى جاء طرقٌ خفيف على الباب. ترددت للحظة، ثم فتحت الباب وهي تسير بضعف وبطء، كأنها تحمل جبال العالم على كتفيها.
كانت أمها. لم تكن تلك المرأة الصامتة التي اعتادتها. كانت عيناها محمرتين، وصوتها مكسور، يرتجف:
_نهى… سامحيني، كنتُ غارقة في حزني، ونسيت أنكِ كنتِ تغرقين أيضًا… أنا بحاجة إليكِ، يا ابنتي.
ارتجف شيءٌ في داخلها، شيءٌ كان قد مات منذ زمن طويل، ثم سقطت أرضًا. في تلك اللحظة، بينما كانت الدنيا تنسحب من حولها، سمعت صوت أمها تصرخ طلبًا للإسعاف. فكرت، للمرة الأولى منذ شهور، بينما الضوء في عينيها يبدأ في الخفوت:
“ربما… كان هناك شيء يستحق الانتظار.”





