في ظل الذكاء الاصطناعي : من مهارة التعبير إلى قوة الفكر
بقلم / منير راجي
المشكلة ليست في أن نستعين بالذكاء الإصطناعي كي نكتب، وإنما في أن نستعين بها كي نفكر، ثم ننسب إلى أنفسنا ما لم نعشه، وما لم نفكر فيه، وما لم يتكوّن في وعينا أصلا …
لقد كثر الحديث، في الآونة الأخيرة، عن استعمال الذكاء الاصطناعي لدى بعض الكتاب والإعلاميين وغيرهم، وكأن المسألة في ذاتها فضيحة أو انتقاص من قيمة ما يُكتب. لكن هؤلاء النقاد، في خضم هذا الجدل، ربما أغفلوا حقيقة ستصبح، في المستقبل القريب، بديهية: توظيف الذكاء الاصطناعي في الكتابة سيصبح أمرا عاديا، كما أصبحت أدوات التكنولوجيا الأخرى جزءا طبيعيًا من فعل الكتابة والإنتاج المعرفي.
وحين يصبح الذكاء الإصطناعي قادرا على التعبير، والصياغة، والترجمة، والتلخيص، وإنتاج النصوص بمختلف أشكالها، فلن تعود المسألة الأساسية هي: من يستطيع أن يكتب نصا جيدا؟ فالذكاء الاصطناعي سيجيد ذلك، وربما يتفوق في بعض جوانبه.
عندها سيكون على الأديب، والكاتب، والمفكر، والإعلامي أن ينتقلوا من الاعتماد على مهارة التعبير إلى الاعتماد على قوة الفكر؛ من القدرة على صياغة ما هو موجود، إلى القدرة على رؤية ما لم يُرَ بعد.
لن تكون القيمة في أن تقول الشيء بطريقة أجمل، وإنما في أن تكتشف شيئا لم يقله أو يكتشفه الذكاء الإصطناعي ؛ أن تطرح سؤالا جديدا، أو ترى علاقة لم ينتبه إليها الآخرون، أو تنتج فكرة تتجاوز ما هو متاح ومألوف في المعرفة.
وهنا تحديدا يبدأ التطور الفكري الحقيقي.
لقد أصبح إنتاج النص أسهل من أي وقت مضى، ولذلك ربما علينا أن نتوقف عن السؤال: كيف نكتب في عصر الذكاء الاصطناعي؟
والسؤال الأهم هو: ماذا سيبقى من الكتابة بعد أن يصبح إنتاجها متاحا للجميع؟
علينا أن نفكر في ما بعد الذكاء الاصطناعي؛ في الإنسان الذي لن تكون ميزته أنه يستطيع إنتاج نص جميل، بل أنه يمتلك تجربة، وسؤالا، ووعيا، وموقفا، وقدرة على اكتشاف ما لم يكتشفه الذكاء الاصطناعي بعد.
فالمستقبل، ربما، لن يكون لمن يكتب أكثر، ولا لمن يصوغ أجمل، بل لمن يفكر أبعد، ويرى أعمق، ويملك ما يستحق أن يُقال.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام الإنسان في عصرنا هذا ليس أن ينافس الذكاء الاصطناعي في الكتابة، بل أن يجد ما يجعل التفكير الإنساني جديرا بأن يُكتب.
بقلم / منير راجي
وهران / الجزائر








