الناسُ موتى وأهلُ العلم أحياء
بقلم: الشاعر عبد المجيد عبوبي
ثمة قولٌ عُلِق في الذاكرة العربية منذ اثني عشر قرنًا، وما زال كلما اقتربنا منه ازداد اتساعًا كحلقة ماء تتوسّع في سطح بحيرة ساكنة: قول الإمام عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه: “فاز بعلم تعش به أبدًا؛ الناس موتى وأهل العلم أحياء”.
أكتب عن هذه القولة اليوم، لا بصفة باحثٍ في علم الكلام، ولا دارسٍ في الفلسفة، بل بصفتي إنسانًا يتأمل، وشاعرًا يعرف ألم الأسماء وهي تغادر الوجود، ويعرف أيضًا سرَّ الأسماء التي رفضت أن تغادر.
أولًا: موتان مختلفان
إذا تأملنا القولة جيدًا، نكتشف أن الإمام عليًا لم يقل إن الناس يموتون، ثم قال إن أهل العلم لا يموتون. قال شيئًا أعمق: قال إن الناس موتى — بصيغة الماضي حتى وهم أحياء — وأهل العلم أحياء — بصيغة الحال حتى وهم مضاجعون التراب.
فهو يرسم لنا تصنيفًا جديدًا للوجود. فالموت عنده ليس توقف القلب، بل توقف الأثر. والحياة ليست نبض الجسد، بل استمرار الاسم في ذاكرة العالم. بهذا المعنى، كم من أحياءٍ بيننا موتى: مروا على الأرض كما تمر الغيمة، لم يتركوا أثرًا يُذكر، ولا فكرة تُتداول، ولا كلمة تُروى.
وبالمقابل، كم من أمواتٍ بيننا أحياء: في المكتبات، وفي حواشي الكتب، وفي حديث المعلّمين، وفي بيتٍ قديم يحفظ عائلةٌ ما بقي من مدرسة جدّها الأول.
ثانيًا: العلم نسخة لا تفنى
الجسد ظرفٌ زائل، لكن العلم بناءٌ ثقافي يتضاعف ولا يتناقص. إذا مات العالم، لم تمت أفكاره، بل انتقلت إلى تلاميذه، ومن تلاميذه إلى تلاميذ تلاميذه، في مسيرة لا تتوقف. ولذلك قيل إن العلماء أبناء الأنبياء؛ لأنهم يرثون ما لا يفنى: المعرفة. فالميراث المادي يتقاسَم ويتناقص، أما ميراث العلم فيتقاسَم ويزداد؛ لأن العلم كالنور، كلما توزّع ازداد.
ابن سينا رحل قبل ألف عام، لكن كتابه “القانون” ظلّ يُدرَّس في جامعات أوروبا قرونًا كاملة. فأيّهما الأحقّ بالحياة: الجسد الذي مضى، أم الفكرة التي ما زالت تُشخّص المرضى وتُنقذ الأرواح إلى اليوم؟
ثالثًا: الشرط المغيَّب — العلم العامل
لكن ينبغي الانتباه إلى نقطة دقيقة: القولة لا تعد كل حامل شهادةٍ بالخلود. فقد يموت صاحب أعلى الدرجات العلمية ويُنسى، بينما يحيا البسيط الذي علّم أطفال قريته القراءة.
السرّ في كلمة واحدة: النفع. العلم الذي يُحيي صاحبه هو العلم العامل، الذي يمسّ حياة الناس، ويغيّر واقعهم، ويضيء عتمتهم. العلم المكدَّس في الأدراج ميتٌ قبل صاحبه، والمعلومة التي لا تُترجم إلى أثر هي جثة لغوية لا روح فيها.
رابعًا: من العلم إلى الشعر
وهنا أتوقف عند نقطة أراها شخصية: الإنسان الكائن الوحيد الذي يموت اسمه بالنسيان، ويحيا اسمه بالتذكر. والعلم هو الطريق الأكمل للخلاص من النسيان.
والشعر — الذي أنتمي إليه — يفعل بالاسم فعل العلم تمامًا. القصيدة الصادقة لا تموت، وصاحبها يعيش فيها ما عاش أهل اللغة بها. “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي”، قال أبو العلاء، فكان خالدًا بقصيدته كما خلّد ابن سينا قانونه، وابن خلدون مقدمته، وعليٌّ نهجه.
فشغل الشعراء الأكبر لم يكن يومًا الجسد، بل الخلود. وشغل العلماء الأكبر لم يكن الدرجة، بل الأثر. وهذان الطريقان يلتقيان عند المصبّ نفسه: اسمٌ يبقى حين تبيد الأجساد.
وفي الختام
العلم لا يُبقي صاحبه لأنه عظيم، بل لأنه — كلما مضى الدهر — ازداد الناس حاجةً إليه. فكان من يحمله هو من يُحييه، والإحياء عملية متبادلة لا تتوقف ما دام في الأرض من يستمد منه حياته الفكرية.
فإذا أردتَ أن تحيا بعد موتك، فلا تبحث عن صنمٍ من برونز يُنصب لك في ساحة، ولا عن مقبرةٍ فاخرة تضمّ رفاتك؛ ابحث عن علمٍ صادق تقدّمه للناس، أو بذرة خيرٍ تزرعها في وجوه الغير، أو حتى حرفًا واحدًا تُعلّمه لمن لا يعرفه.
فمن أهدى حرفًا، فقد أهدى حياة. ومن أحيا حياة، فقد انتصر على الموت.
الناس موتى وأهل العلم أحياء… فكن من الأحياء.








