أدب وثقافةمقالاتمنوعات

قفص من زجاج. بقلم الأديبة. فيفيان سمير

 

قفص من زجاج.

بقلم الأديبة. فيفيان سمير

 

الأمل في أصل طبيعته نعمة لا تضاهيها نعمة، هو ذلك الضوء الخفيف الذي يتسلل ليضيء عتمة الروح، المحرك الأول الذي يدفع الإنسان للنهوض من فراشه حين لا يكون ثمة سبب واضح للنهوض، بلا أمل تصبح الحياة مجرد جداول زمنية نملأها ونفرغها دون معنى، ومن فقد الأمل فقد البوصلة التي تعطي لمساره اتجاها. لكن الأمل، كالنار، إذا أحسن توظيفه دفأ وأنار، وإذا أطلق في الاتجاه الخاطئ أحرق، وأن ثمة لحظة فارقة تنقلب فيها هذه النعمة إلى قيد، وتتحول فيها الجذوة الدافئة إلى سجن من الجمر.

تلك اللحظة حين يتجمد الأمل، حين يتوقف عن أن يكون حركة نحو المستقبل ويتحول إلى تعلّق بالماضي، حين لا يعود يقول لك “اسعَ وستصل” بل يقول لك “انتظر وسيأتي”، والفرق بين الجملتين هو الفرق بين الحياة والتحنيط. فالإنسان الذي يأمل في شيء يتحرك نحوه، يبني، يحاول، يفشل ويعود، لكن الإنسان الذي يأمل في شيء انتهى فعلا يقف في مكانه ويُسمّي وقوفه إخلاصا، يُسمّي شلله انتظارا، ويُسمّي تغيّبه عن الحاضر أملا، بينما الحقيقة التي يهرب منها هي أن الأمل حين تنتهي صلاحيته لا يصبح فضيلة، بل يصبح وهما يُدفع ثمنه من رصيد الأيام الحقيقية التي تمر ولا تعود؛ فيظل يرمم شقوقا مستحيلة الترميم، معلقا نفسه على وهم كلمة قد تقال أو نظرة قد تعود أو رسالة قد تصل، ليجد نفسه في نهاية المطاف أسير شرنقة نسجها بخيوط أمنياته، عاجزا عن المضي قدما أو التراجع للوراء لمجرد رفضه أن يقر بفشله.

وكذلك حال من يستنزف روحه وجسده في محاولة إرضاء شخص عزيز أو مجتمع قاس، يذوب ليعيد تشكيل ذاته وفقا لقالب لا يناسبه، مدفوعا بأمل ضبابي بأن ينال رضاهم ولو على حساب فناء هويته وضياع ذاته. في هذه الزوايا الضيقة، يصبح الأمل عذابا، ويقف الإنسان متسمرا أمام باب موصد، يقرع ولا يفتح، في حين أن العالم من خلفه يمضي ويتبدل وتضيع منه سنوات لا يمكن استرجاعها.

وأشد أنواع هذا الأمل المُعطِّل وطأة ذلك المتعلق بالعلاقات الإنسانية، حيث يصبح الأمل في عودة من رحل، أو في تغيّر من أساء، أو في قبول من رفض، أو بإرضاء شخص جُبل على عدم الرضا، ضربا من الإقامة الطوعية في غرفة مغلقة النوافذ. تجلس فيها وتنتظر من لن يأتي، وتؤجل فتح الباب. والمفارقة أن هذا الأمل يُغلّف نفسه دائما بثوب الحب والوفاء والعمق العاطفي، فيصعب نزعه لأنك تتخيّل أنك تخون شيئا نبيلا، بينما أنت في الحقيقة لا تتشبث بشخص أو علاقة، بل تتشبث بصورة مهزوزة داخل رأسك، بنسخة مثالية وُجدت يوما أو تخيّلت وجودها، ولن تعود لأن الواقع لا يُعيد طبع نسخه القديمة.

هنا يتحول الأمل إلى ما يشبه المقامرة، تعرف في قرارة نفسك أن الأرقام لا تصبّ في صالحك، لكنك تواصل اللعب لأن التوقف يعني الاعتراف بالخسارة، والاعتراف بالخسارة يعني مواجهة سؤال أشد إيلاما: “وماذا الآن؟” ولأن هذا السؤال مخيف، يُفضّل كثيرون البقاء في دوامة الأمل الزائف لأن الدوامة على الأقل تُشعرك بالحركة، وإن كانت حركة في المكان ذاته.

لكن عندما تدرك أن الأمل الذي تتشبث به ليس أملا حقيقيا، بل قفصا من زجاج شفاف، تراه ولا تحسه، يحبسك في لحظة انتهت، ويسرق منك كل لحظة جديدة تحاول أن تولد، عليك كسر القفص، حيث أن في تلك الكسرة الصغيرة بداية شيء لم تجرؤ على تسميته: الحرية.

موت الأمل الزائف ليس كما نتوهم نهاية بل هو، في حقيقته، نوع من الولادة الجديدة. ففي اللحظة التي تُدرك فيها أن هذا الباب قد أُغلق نهائيا، تنسحب طاقتك من حراسة شيء انتهى وتعود إليك تبحث عن موضع جديد تستقر فيه. الألم الذي يصاحب هذا الموت حقيقي وعميق ولا ينبغي التقليل منه أو تجميله، لأن ما يموت هو جزء من قصتك التي كنت تكتبها، جزء من روحك التي عاشتها وليس مجرد فكرة عابرة. لكن ما يأتي بعد هذا الألم، حين يُفسح له المجال ليكتمل دون أن تهرب منه إلى وهم جديد، هو شيء يشبه الهواء النظيف يدخل صدرك، وضوح يرى به الإنسان حياته كما هي لا كما توهمها، وأرضا صلبة يقف عليها بدلا من أن يرفّ في هواء الترقب.

التحرر من الأمل الزائف ليس استسلاما ولا يأسا، بل هو شكل من أشكال الشجاعة النادرة. يحتاج الإنسان إلى قوة هائلة ليقول لنفسه: “هذا الأمر لن يحدث، وهذا الشخص لن يعود، وهذه العلاقة لن تصلح، وهذا الحلم ليس لي”. يحتاج إلى أن يواجه الحقيقة كما هي، لا كما يتمناها، وأن يقبل الألم الذي يأتي مع هذه المواجهة. ليست الحكمة إذن في أن نقتل الأمل كله ونعيش بلا حلم، فذاك هو العدم بعينه، بل الحكمة في أن نُفرّق بين أمل يسير أمامنا يضيء الطريق، وأمل يقف خلفنا كمرساة تشلّ سفينة في ميناء هجره البحر. الأول يستحق أن نُغذيه ونصبر عليه ونبني من أجله، والثاني يستحق أن نُودّعه بكل ما في الوداع من نبل وحزن وامتنان على ما كان، ثم نمضي. حين نتوقف عن انتظار من لا يأتي، وعن محاولة إرضاء من لا يرضى، وعن السعي وراء ما لا يمكن تحقيقه، سرعان ما نكتشف أن الحياة يمكن أن تمتلئ بأشياء حقيقية، بعلاقات صادقة، بأهداف واقعية، بسلام نفتقده منذ زمن.

السعادة ليست في تحقيق المستحيل، بل في تقبل الممكن، والاستمتاع به ما دام بين أيدينا، لأن الحياة لا تنتظر من يقف ينتظرها، وأجمل فصولها لا تُكتب في محطة قطار ننتظر قطارا لن يأتي أبدا، بل حين نغادر المحطة أخيرا، ونجد طريقا آخر للذهاب إلى حيث نريد، حين يجرؤ الإنسان أخيرا أن يُسمّي ما انتهى بأنه قد انتهى، ثم يرفع رأسه نحو أفق لم يره بعد لأنه كان مشغولا بالنظر خلفه.

زر الذهاب إلى الأعلى