كيف انتقل العالم الإسلامي من عصر الخلافة الراشدة إلى عصر الدولة الأموية؟
سلسلة التاريخ من وراء الستا
كيف انتقل العالم الإسلامي من عصر الخلافة الراشدة إلى عصر الدولة الأموية؟
بقلم / محمد مصطفى كامل
ليست كل التحولات الكبرى تبدأ بانتصار. فبعضها يولد من قلب الأزمات، حين يبدو كل شيء على وشك الانهيار، بينما يكون التاريخ في الحقيقة بصدد كتابة فصل جديد.
بعد ثلاثين عامًا فقط من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وجدت الدولة الإسلامية نفسها أمام أخطر اختبار في تاريخها ، انقسام داخلي، ودماء سالت بين أبناء الأمة، وأسئلة لم تكن لها إجابات سهلة. حتى ظن كثيرون أن البناء الذي بدأ في المدينة قد بلغ نهايته.
لكن التاريخ كان يخبئ مفاجأة لم يتوقعها أحد. فمن بين ركام الفتنة خرج نظام سياسي أكثر اتساعًا، ودولة امتدت حدودها بعد سنوات قليلة من أسوار الصين شرقًا إلى شواطئ المحيط الأطلسي غربًا.
فكيف تحولت سنوات الانقسام إلى نقطة انطلاق لإحدى أعظم الإمبراطوريات في التاريخ؟ وكيف انتهى عصر الخلافة الراشدة ليبدأ عهد جديد سيغيّر وجه العالم الإسلامي لقرون طويلة؟ ذلك ما نحاول اكتشافه في هذا الفصل من سلسلة التاريخ من وراء الستار. من الفتنة إلى الدولة
ليست أخطر اللحظات في تاريخ الأمم هي لحظات الهزيمة، بل لحظات الانقسام.
فالهزيمة قد تُفقد الدولة أرضًا، لكنها لا تسلبها بالضرورة وحدتها، أما الانقسام الداخلي فإنه يضرب أساس الدولة نفسها، ويجعلها تواجه أخطارًا لا تأتي من حدودها، بل من داخلها.
وقد مرت الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم باختبارات عظيمة، خرجت من معظمها أكثر قوة واتساعًا.
لكن الفتنة الكبرى كانت مختلفة.
فلم تكن مجرد نزاع سياسي، ولا مجرد سلسلة من المعارك العسكرية، بل كانت المنعطف الذي أنهى مرحلة كاملة من تاريخ المسلمين، ومهّد لولادة مرحلة جديدة، اختلفت فيها طبيعة الحكم، واتسعت فيها مؤسسات الدولة، وتبدلت معها موازين السياسة والإدارة.
بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه، بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة في واحدة من أصعب اللحظات التي عرفها المسلمون.
كانت المدينة مضطربة، والأمة مثقلة بالحزن، والناس يطالبون بالقصاص من قتلة عثمان، بينما كانت الدولة نفسها تحتاج إلى استعادة الأمن وترتيب أوضاعها قبل أي خطوة أخرى.
وهنا ظهر السؤال الذي لم يكن له جواب يسير .
هل يبدأ الخليفة بتثبيت أركان الدولة أولًا؟
أم يبدأ بتنفيذ القصاص فورًا؟
كان لكل فريق اجتهاده، ولكل فريق أدلته، ومع تشابك الظروف وتعقد الأحداث أصبح الوصول إلى قرار يجمع الأمة أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي خضم هذه الأزمة، يستحضر التاريخ موقفًا وقع قبل سنوات طويلة، يوم جلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية يكتب بنود الصلح بين المسلمين وقريش.
ولما اعترض سهيل بن عمرو على كتابة “محمد رسول الله”، أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا أن يمحوها ويكتب “محمد بن عبد الله”، فتردد علي رضي الله عنه تعظيمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي عليه يوم يُدعى فيه إلى مثل ذلك فيجيب.
ومرت الأعوام، حتى جاءت فتنة صفين، وحين كُتبت وثيقة التحكيم، طُلب أن تُمحى منها عبارة “أمير المؤمنين”، فقبل علي رضي الله عنه ذلك حقنًا لدماء المسلمين. وقد رأى كثير من أهل السير في هذا الموقف تحققًا لما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وكأن ذلك الموقف القديم كان إعدادًا لعلي رضي الله عنه ليواجه واحدًا من أعظم الابتلاءات في تاريخ الأمة.
ثم وقعت وقعة الجمل، تلتها معركة صفين بين جيش الخليفة علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
ولم تكن تلك المواجهات صراعًا بين الإيمان والكفر، ولا حربًا بين أصحاب حق وأصحاب باطل بالمفهوم الذي يصوره بعض الناس، وإنما كانت اجتهادات سياسية بين صحابة شهد لهم الإسلام بالفضل، اختلفوا في كيفية معالجة الأزمة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه.
ولهذا بقي منهج جمهور علماء المسلمين قائمًا على محبتهم جميعًا، والترضي عنهم، والإمساك عما شجر بينهم، مع الاعتقاد بأن للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجرًا واحدًا.
وفي أثناء معركة صفين برز التحكيم، وهو الحدث الذي فتح بابًا جديدًا من الخلاف.
فقد قبله فريق، ورفضه آخرون، ومن هذا الرفض خرجت جماعة عُرفت فيما بعد بالخوارج، الذين لم يكتفوا بمعارضة التحكيم، بل كفّروا الفريقين، وأصبحوا أحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة الإسلامية في تلك المرحلة.
ولم تكد الأمة تلتقط أنفاسها، حتى وقع الحدث الذي زاد جراحها عمقًا.
اغتيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة أربعين للهجرة، فسقط آخر الخلفاء الراشدين الذين اجتمع لهم سلطان معظم بلاد المسلمين.
وبرحيله انتهت صفحة من أعظم صفحات تاريخ الإسلام.
ثم تولى ابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما الخلافة.
لكن الحسن أدرك ببصيرته أن استمرار الحرب لن يورث الأمة إلا مزيدًا من الدماء والانقسام، وأن أعظم انتصار في تلك اللحظة لم يكن هزيمة خصم، وإنما إنقاذ الأمة نفسها.
فاتخذ قرارًا سيبقى من أعظم القرارات السياسية في التاريخ الإسلامي.
تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، تحقيقًا لوحدة المسلمين، وحقنًا لدمائهم، فصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم .
إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
وسُمّي ذلك العام بعام الجماعة، لأن الأمة عادت تجتمع تحت راية واحدة بعد سنوات من الفتنة والانقسام.
وبهذا الحدث انتهى عهد الخلافة الراشدة، الذي امتد ثلاثين عامًا منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبدأ عهد جديد سيعرفه التاريخ باسم الدولة الأموية.
كان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه رجل دولة من الطراز الرفيع، اكتسب خبرة واسعة خلال إدارته الطويلة لبلاد الشام، فأدرك أن أول ما تحتاج إليه الأمة بعد سنوات الفتنة ليس فتحًا جديدًا، وإنما الاستقرار.
فأعاد تنظيم الولايات، وثبت أركان الإدارة، وأمّن الثغور، وأعاد للدولة هيبتها، لتبدأ مرحلة مختلفة تمامًا عما سبقها.
وخلال العقود التالية ستنطلق الجيوش الإسلامية شرقًا حتى أعماق آسيا، وغربًا عبر شمال أفريقيا، ثم تعبر البحر إلى الأندلس، بينما تتحول دمشق إلى واحدة من أعظم عواصم العالم.
لكن اتساع الدولة سيجلب معه تحديات جديدة.
فلم يعد التحدي مقتصرًا على الانتصار في المعارك، بل أصبح في إدارة إمبراطورية مترامية الأطراف، وتنظيم شؤون ولاياتها، وضبط مواردها، والمحافظة على وحدتها.
وهكذا لم تكن الدولة الأموية مجرد امتداد للخلافة الراشدة، بل كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الإسلامية، انتقلت فيها الدولة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإمبراطورية، ومن إدارة مجتمع ناشئ إلى إدارة واحدة من أكبر القوى السياسية في العالم آنذاك.
وهنا يتركنا التاريخ أمام سؤال جديد:
كيف استطاعت دولة خرجت لتوها من أخطر انقسام داخلي أن تبني واحدة من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ، وتمتد في أقل من قرن من حدود الصين شرقًا إلى جنوب فرنسا غربًا؟
ذلك ما سنكتشفه في الفصل القادم إن شاء الله.
الإمبراطورية التي عبرت القارات
كيف بلغت الدولة الأموية أقصى اتساع عرفه التاريخ الإسلامي؟






