مقالات

لماذا يختبئ وزير التعليم من تفجر أزمة الوزارة الي خطاب الهوية وسط زيف مجتمع متدين ؟ 

لماذا يختبئ وزير التعليم من تفجر أزمة الوزارة الي خطاب الهوية وسط زيف مجتمع متدين ؟

بقلم جورجيت شرقاوي

 

في مصر اليوم، يتحول النقاش عن التعليم إلى مسرحية شعبوية مبتذلة و موجة جديدة تعيد الزخم لوزير التربية والتعليم الذي يخرج بتصريح عن إلغاء احتفالات «لا تتوافق مع الثقافة المصرية» في المدارس الدولية، فيتصدر المشهد، ويتحول الغضب الحقيقي من فشل المنظومة إلى مهرجان تأييد أو هجوم هوياتي، هذه ليست سياسة تعليمية، بل مناورة كلاسيكية، فيها أشغال برمز ثقافي سطحي بينما تترك الجذور تنخر في الجسد، فلا فصل واضح للأدوار، ليظل التعليم العلمي في المدرسة، والتعليم الديني في دور العبادة والمؤسسات الدينية المؤهلة، مع تعاون تكاملي منضبط.

 

و إن الهالوين المزعوم ليس طقس وثني يمارس في المدارس المصرية، بل في نسخته الحديثة مجرد أزياء تنكرية ورسومات ومرح ترفيهي للأطفال، ليس أرواح تستدعى، ولا قيم تهدم، أما ربطه بالجذور أو اعتباره عدوا للهوية هو مبالغة مفتعلة تخدم خطابا شعبويا، و الدول التي يشار إليها أحيانا كمحافظة شهدت فعاليات مشابهة في سياقات ترفيهية، دون أن ينهار نسيجها، و المشكلة ليست في زي شبح أو يقطينة، بل في استخدام الهوية و الدين كأداة تشتيت.

و يظهر بوضوح الأسلوب الملتوي باستخدام شعبوية مقابل إصلاح، فمن أشار علي السيد الوزير الذي يعرف قواعد اللعبة جيدا، و يمكنه أن يبدل مناهج، و يخرج مواد من المجموع، و ينتج مناهج تجزأ وتعاد هندستها بلا رؤية مستقرة، و يترك لجان الامتحانات عرضة للشكوك، ويسمح للمدارس الخاصة والدولية بأن تثقل كاهل الأسر بمصروفات متزايدة ورسوم إضافية غير شفافة، ثم يظهر بتصريح عن منع احتفال غربي، فيحوّل الغضب العام إلى انقسام، بين فريق يهتف له كحامي القيم تحت عباءة الدفاع عن الدين، وفريق يتهمه بتدمير التعليم عمدا، و النتيجة مجتمع متشرذم، منشغل بالرموز بينما المشاكل الهيكلية تتفاقم، هذا النمط ليس جديد بل استكمال لمسلسل مغازلة التيارات المتشددة ــ ليست من منطق وزير تعليم محترف، بل سياسي يمد يده لقاعدتي تأييد تتمحور حول الخوف و الدين عند نقض المبدأ.

 

فإن المدرسة ليست منصة لعرض شعارات ثقافية أو دينية تباع للشارع، ولا ساحة لتسويات سياسية تلهي المواطنين عن إخفاقات حقيقية، و الوزير الذي يزاوج بين قرارات تقوض التعليم وتصريحات مثيرة قد يفهم هذا المزج بين القرارات التعليمية والتصريحات الهوياتية باعتباره محاولة لصرف الانتباه عن أزمات أكثر إلحاحا، هو لا يحمينا، بل يهرول خلف شعبوية تهدم المؤسسات، وما لم نطالب جميعا بوزارة تعليم تخدم العلم والمصلحة الوطنية، سنظل ندفع الثمن غالي بطفل واحد بعد آخر، وبجيل كامل يفتقد أدوات بناء الحضارة.

 

و عندما تطرح قضايا الجودة الحقيقية — تدني مهارات القراءة والرياضيات وفق المؤشرات الدولية السابقة، و الكثافات، و العجز المزمن في المعلمين، وانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية كبديل عن المدرسة — يعاد توجيه الانتباه إلى مسائل ثقافية سهلة الاستهلاك إعلاميا، فالحديث عن الغرب كعدو ثقافي يخلق شعورا زائفا بالحصانة، بينما الواقع يقول إن الإصلاح الحقيقي يتطلب موارد، كفاءة إدارية، ومحاسبة، و ليس شعارات، هنا تصبح اللغة الدينية أداة تلميع سياسي لكسب الوقت، و ليس تعبيرا عن مشروع تربوي متماسك، والنتيجة أن الناس تنقسم بين من يصفق للتصريح ومن يغمض عينه عن خراب المنظومة، بينما الطالب هو من يدفع الثمن في النهاية

 

و من الكوارث التي تترك في الظل، جودة التعليم، حيث أن التقارير الدولية على مدى سنوات أظهرت نسبيا مرتفعة من الطلاب الذين لا يصلون إلى المستويات الأساسية في القراءة والرياضيات. و الإنفاق العام كنسبة من الناتج شهد تراجعا في فترات سابقة، والكثافات والفصول المسائية كانت أزمات معروفة، أما تعيينات المعلمين وزيادات المرتبات المعلنة (مثل الوصول إلى أرقام أعلى للمعلم المساعد والخبير) خطوات إيجابية إن تحققت فعليا ووصلت للجميع، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تقييم أثرها على نواتج التعلم لا على الأرقام الإعلامية، و مازال الأجور متدنيه، و من الكوارث ايضا، إخراج بعض اللغات من المجموع في الثانوية ومنها الفرنسية قدم كتخفيف عبء وتركيز على لغة أولى أقوى. وفي الواقع، أثار جدل حول إضعاف التنوع اللغوي والفرص المستقبلية، رغم التأكيدات باستمرار التعاون مع الجانب الفرنسي، و يمس القرار آلاف الطلاب والمعلمين، ويستحق نقاش فني و ليس شعارات هوية، و أيضا الأعباء المالية على الأسر مثل المدارس الخاصة والدولية تفرض زيادات ورسوما إضافية تتجاوز أحيانا النسب الرسمية المسموح بها، و في بعض المدارس ظهرت حالات يتم فضحها إن لم تفي بالمصاريف في معادها ،إن الأسر المتوسطة تجد نفسها أمام خيارات صعبة، أما الاقتراض أو التنازل عن جودة معينة، و الرقابة موجودة نظريا، لكن الشكاوى مستمرة، والقرار بإدراج مواد الهوية في المجموع أثار قضايا قضائية متكررة، مما يعكس ارتباكا في التطبيق، و حتي المدارس الدوليه تتدرج نزولا إلى 6% للمدارس التي تبدأ من 40 ألف جنيه فأكثر، و 5% للمدارس التي تبدأ من 200 ألف جنيه فأكثر، فكيف لأكثر من نصف تلاميذ الصف الرابع ( يقدر بحوالي 55%) لم يصلوا حتى إلى المستوى الدولي المنخفض عند 400 نقطة، مما يعني عدم امتلاك المهارات الأساسية في القراءة في عام ٢٠٢٥ ثم يحدثنا الوزير عن لعبه الهوية ؟!

أما عن الفساد والغش والانضباط حدث و لا حرج ، إن الحديث عن لجان الامتحانات والرقابة على المدارس والتلاعب بأعداد الطلاب أو الدرجات يظهر بين الحين والآخر، أي منظومة تترك ثغرات في التقييم و الامتحانات تفقد مصداقيتها، هذه ليست قائمة اتهامات شخصية، بل ملفات معروفة ومتداولة. أما التركيز عليها هو ما يستحق و ليس منع زي تنكري.

و الغرب لا يضحك لأننا نحتفل بالهالوين أو نمنعه. يضحك — إن ضحك — عندما يرى دولة تتحدث عن الهوية بينما مؤشرات التعلم الأساسية متراجعة، والأسر تنهك ماليا، والمعلمون يناقشون كفاية مرتباتهم. و الانعزال الثقافي المفتعل لا يحل مشكلة واحدة في فصل دراسي مكتظ أو منهج ضعيف أو نظام تقييم مشكوك فيه. بل يعمق الانقسام، فهل منع الاحتفال الغربي سيحمي الأبناء حقا، أم يظل قناعا يغطي فشل إداري ؟

 

و لاشك أن الدين مهم في كل مناحي الحياة، ولا خلاف على أن التربية الأخلاقية والدينية تشكل جزءا من تكوين الفرد. لكن هناك فرق بين تعليم الدين كمنهج روحي ومعنوي، وتعليم المواد العلمية التي تجهز الطالب لحياة عملية ومهنية، إن المجتمع الذي يرفع شعار التدين والهوية بينما يتساهل مع الغش والفساد الإداري والأعباء التي تجهض الأسر، يمارس زيفا مزدوج، أما الهوية الحقيقية تبنى بالمناهج الجيدة، والمعلمين المحترمين ماديا ومهنيا، والمدارس التي تعلم التفكير لا الحفظ والشعارات. أما المناورات الثقافية، فهي تستهلك الوقت والطاقة في معارك جانبية عبر المناورات الثقافية والدينية.

الإصلاح ليس تصريح عن احتفال عابر، بل هو محاسبة على النتائج، و شفافية في المصروفات، جودة في القاعات، وعدالة في الفرص. كل ما عدا ذلك — مهما بدا حماسيا — يبقى مسرحية هزليه بطلها شهادات ضائعه .

زر الذهاب إلى الأعلى