من خواء القاعات إلى خواء العلاقة بين الأديب ومجتمعه …
بقلم / منير راجي
لعلّ الخواء الذي يخيّم على فضاءاتنا الثقافية ليس خواء القاعات وحدها، بل خواء العلاقة بين الأديب ومجتمعه أيضا. فبقدر ما نحمّل المؤسسات مسؤولية تهميش الثقافة، يجدر بنا أن نتساءل عن مسؤولية المثقف نفسه: إلى أيّ حدّ خرج الأديب العربي من عزلته، وانشغل بقضايا الناس وهمومهم اليومية؟ وإلى أيّ حدّ صار الأدب أحيانا مناسبة للاحتفاء بالأنا، وتبادل المجاملات، والتقاط الصور، بدل أن يكون فعلا حيّا في المجتمع، يلامس أوجاعه ويشارك في تشكيل وعيه؟
لا شكّ أن تهميش الثقافة مسؤولية مؤسساتية ومجتمعية، لكنّ أنانية بعض المثقفين، وانكفاءهم على ذواتهم، وانتظارهم الاعتراف والتصفيق، أسهما بدورهما في اتساع المسافة بينهم وبين جمهورهم. فالثقافة لا تحيا بالكاتب وحده، ولا بالقاعة وحدها، بل بقدرتها على الخروج إلى الناس، والإنصات إليهم، والتفاعل مع أسئلتهم الحقيقية.
ثم إننا نعيش زمنا جديدا، زمن الذكاء الاصطناعي والتحوّلات الرقمية المتسارعة، حيث لم تعد المنصّات الثقافية التقليدية قادرة وحدها على استقطاب الأجيال الجديدة. فهل يكفي أن نرثي المقاعد الفارغة، أم ينبغي أن نراجع طرائقنا في الكتابة والتواصل والتأثير؟ وهل يعقل أن نطالب المجتمع بالاقتراب من الثقافة، فيما لا نبذل ما يكفي للاقتراب منه؟
إنّ إنقاذ الثقافة لا يكون بتوفير القاعات الجميلة فحسب، وإن كانت حقًّا من حقوقها، بل بإعادة الاعتبار إلى مضمونها، وإلى دور المثقف بوصفه جزءا من المجتمع لا كائنًا معزولا عنه. فالمطلوب ليس أن يجد الأديب مكانا يجلس فيه، بل أن يجد كلامه مكانا في حياة الناس، وأن يصبح الأدب ضرورة في الوعي والوجدان، لا مناسبة عابرة تنتهي بانتهاء النشاط والتقاط الصورة التذكارية.








